16سأذ 17 ربيع الثاني 1425هـ - 6 جوان 2004م كيف يستثمر الإنسان وقته في الصالح المفيد طبعت
الجزء ١ · صفحة ٣ولا ريب أنّ كل عمل صالح وكل ما يمكن أن يُصلِح الإنسان في دنياه هذه أو في آخرته فإنه ينبني على العلم، ولذلك كانت هذه الرسالة رسالةَ علم .. الله-تبارك وتعالى-أول ما خاطب رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - قال له: ﴿ اقْرَأْ … ﴾ [ سورة العلق، من الآية: 1 ] .. لم يقل له أيَّ كلمة أخرى .. لم يخاطبه بالعبادة أوّلاً .. لم يقل له: " اعْبُدْ " أو " أَطِعْ " أو " انْقَدْ " أو " أَذْعِنْ " أو نحو ذلك، وإنما قال له: ﴿ اقْرَأْ … ﴾ .. هذه الكلمة ذات المدلول الواسع بحيث إنها لا يمكن أن يفي بمعناها أيّ لفظ آخر، فإنه لو قيل بدلاً من هذه الكلمة: " اعْلَم " أو " تَبَيَّنْ " أو " أَدْرِكْ " أو " افْهَمْ " أو " تَفَهَّمْ " أو نحو ذلك لم تفِ كلمة من هذه الكلمات بما تدل عليه كلمة " اقْرَأْ " من أبعاد واسعة، بحيث إنها تدعو إلى القراءة، والقراءة إنما هي قراءةٌ للمكتوب، والمكتوب إنما قراءتُه تحصيلٌ للعلم بطرقه الكسبية، فهذا العلم المطلوب إنما يُتوصل إليه بالجدّ والتعب .. بالكتابة والقراءة .. بتخليده في الطروس .. بنقله من مكان إلى مكان، ولا أدلَّ على ذلك من أنّ الله-تبارك وتعالى-ذَكر في فاتحة هذه السورة الثمينة أهمّ وسيلة من وسائل العلم وهو القلم، الذي يُخلَّد به العلم، ويُنقَل به من مكان إلى مكان، ويُتوارث به عبر الأجيال المتسلسلة والقرون المتعاقبة، فإنّ الله-تعالى-قال: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [ سورة العلق، الآيات: 1-5 ].