04سأذ 27 ذو الحجة 1425هـ - 6 فيفري 2005م الهجرة النبوية-عام طبعت
الجزء ١ · صفحة ٢١ج: بِطبِيعةِ الحال؛ أوّلا عليْنا أن نُدْرِك أنّ كلَّ أُمّة لا تَعْتَزُّ بِتأرِيخها هي أُمَّة ضائِعة، فمَن لَم يَكُن لَه ماضٍ فليْسَ لَه حاضِر، والحاضِرُ إنَّما يُبْنَى على الماضِي، وأيُّ ماضٍ أوْلَى بِأن يُبْنَى عليه الحاضِر مِن الماضِي الذي كان في عَهْدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عَهْدِ المهاجِرِين والأنصار والذين اتّبَعُوهُم بِإِحْسان.
على أنّ التأريخ الآخَر كان مَوجُودا مِن قَبْل ولَم يَكُن المسلِمون في عَمًى مِن أَمْرِهم بِحيثُ ما كانًوا عارِفِين بِه، إذ كانُوا على اتِّصَال بِدوْلَةِ الرُّوم وكانُوا يَعرِفُون هذا التأرِيخ، ولكن مع ذلك ما عَوَّلُوا على التأرِيخ الآخَر وإنما عَوَّلُوا على التأرِيخ الهجرِي، وارْتَبَطوا بِهذا التأرِيخِ الهجري.
وبِجانِبِ هذا فإنّ هنالِكَ اختِلافا ما بيْن التأْرِيخَيْن في مَدَارِهِما، ذلك لأنّ التأرِيخَ الميلادي إنَّما يَدُورُ بِدَوَرَانِ الأشْهُر الشمسية، والتأْرِيخ الهجري يَدُورُ بِدَوَرَانِ الأشهُرِ القَمَرِية.
وقد بَيَّن الله - سبحانه وتعالى - أنّ الأشهُرَ القَمَرِيَّة هِيَ مَدَارُ الأحكامِ الشرعِية، فقد قال تعالى: { يَسْأَلونَكَ(1) عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ … } [ سورة البقرة، من الآية: 189 ]، ثُم بِجانِبِ ذلك بَيَّنَ - سبحانه وتعالى - ارتِباطَ هذه الأشهُر القَمَرِيَّة بِصَمِيمِ الدِّين الحنِيف في قوله - سبحانه وتعالى - : ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ … ﴾ [ سورة التوبة، من الآية: 36 ]، فجَعَلَ هذا مِن صَمِيمِ الدِّينِ القَيِّم، مع أنّ الأشهُرَ الحرُم لا تُوجَد إلا في الأشهُرِ القَمَرِية.
(1) -قال الشيخ: " ويسألونك " وهو سبق لسان.