المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

من التصغير منها

الجزء ١ · صفحة ١١٣

و العلة الأخرى: أنها زائدة على ما ذكرت لك في أصل الباب.

و ذلك: ابن، واسم، واست، واثنان، واثنتان، وابنة تأنيث ابن. تقول في تصغير ابن: بني؛ لأن الذاهب منه ياء أو واو، يدلك على ذلك قولهم: أبناء فاعلم. وكذلك اسم وأسماء، تقول في تصغيره: سمي.

و اثنان بهذه المنزلة: تقول في تصغيره: ثنيان، لأن الألف والنون زائدتان للتثنية.

و تقول في تصغير ابنة: بنية. وفي تصغير است: ستيهة؛ لأن الذاهب منه هاء. يدلك على ذلك قولهم: أستاه فاعلم. فهذا مجرى هذا؛ كما قال في سنة: سنية، وسنيهة. فسنية فيمن قال: سنوات، وسنيهة فيمن قال: سنهات. وقد مضى تفسير هذا.

و أما ما لم تكن فيه ألف الوصل فنحو قولك: أخت. تقول في تصغيرها: أخيه، فتحذف التاء، وترد الواو التي كانت في قولك: أخوات، وإخوة، وأخوان.

و كذلك بنت، وهنت. تقول: هنية، وبنية؛ لأن المحذوف من هذه الواو؛ لأنه يقال: هنواتٌ قال الشاعر:

أرى ابن نزارٍ قد جفاني وملني … على هنواتٍ كلها متتابع

و كذلك تقول في تصغير هنٍ: هني.

و قد قال قوم: المحذوف منه هاء، فقالوا في تصغير هنٍ: هنية وفي تصغير هنة: هنيهة، وهنية. إلا أن جملة هذا الباب أنه لا يكون المحذوف من الثلاثة إلا حرف لين ياء أو واو أو حرفاً خفياً وهو الهاء أو يكون مضاعفاً، فتحذف منه استثقالاً؛ كما حذف هذا لخفائه.

هذا باب

ما يصغر من الأماكن وما يمتنع

من التصغير منها

اعلم أن أسماء الأماكن كسائر الأسماء خاصها وعامها. تقول في دار: دويرة، كما تقول في هند: هنيدة. وكذلك مكان. تقول فيه: مكين، وفي بيت: بييت وبييت.

فأما الأسماء المبهمة فنحو: خلف، ودون، وفوق. تقول: خليف ذاك، ودوين ذاك، وفويق ذاك؛ لأنك أردت أن تقرب ما بينهما وتقلله.

فإن قلت: هو عند زيد لم يجز أن تصغر عند؛ وذلك أنه قد يكون خلفه بكثير وبقليل، وكذلك دونه، وفوقه. فإذا صغرتهما قللت المسافة بينهما. وإذا قلت: عندي فقد بلغت إلى غاية التقريب. فلا معنى للتصغير.

و جملة باب الأماكن التذكير إلا ما خصه التأنيث منها نحو قولك: غرفة. وعلية. ومشرقة، ومشربة.

و كذلك تأنيث البناء نحو: دار، إنما هي في بابها بمنزلة نار، وقدر، وشمس. وكذلك تقول في تصغيرها: دويرة وقد بينت لك في باب الظروف أن هذه المخصوصة لا يتعدى الفعل إليها، لأنه لا دليل فيه عليها. فإنما يتصل بها؛ كما تتصل بسائر الأسماء، وذلك قولك: قمت في دار زيد، وذهبت إلى زيد، ووضعته في يد زيد، ورأيت أثراً في رجل زيد. ولا يصلح أن تقول: قمت دار زيد، ولا قمت المسجد الجامع يا فتى؛ لأن قمت لا يدل على مكانٍ مخصوص. وإنما يتعدى إلى ما يعتور الأسماء. فلا يخلو منه شيءٌ أو من بعضه. نحو قمت خلف زيد، وسرت أمام عبد الله، وقمت مكاناً. وقد مضى تفسير هذا في بابه.

فالظروف إنما هي هذه على الحقيقة. فما جاء منها مؤنثاً بغير علامة: قدام ووراء، وتصغيرهما: قديديمة ووريئة.

فإن قلت: فما لهاتين لحقت كل واحدة منهما الهاء، وليستا من الثلاثة؟ قيل: لأن الباب على التذكير. فلو لم يلحقوهما الهاء لم يكن على تأنيث واحد منهما دليل. قال القطامي:

قديديمة التجريب والحلم، إنني … أرى غفلات العيش قبل التجارب

و قال الآخر: يومٌ قديديمة الجوزاء مسموم فكل ما ورد عليك من هذه الظروف ليست فيه علامة التأنيث فهو على التذكير. تقول في تصغير خلف: خليف، وأمام: أميم؛ كما تقول في قذال: قذيل.

و كل شيء يجري مجرى عند فغير مصغر لما ذكرت لك من امتناعه في المعنى. فكذلك سوى وسواء يا فتى، إذا أردت بهما معنى المكان؛ لأن قولك: عندي رجل سواك، إنما هو: عندي رجل مكانك يحل محلك، ويغني غناءك. لا يصغران لقلة تمكنهما.

فإن أردت بقولك سواء: الوسط من قوله عز وجل: " فرآه في سواء الجحيم " وكما قال الشاعر:

يا ويح أنصار النبي ورهطه … بعد المغيب في سواء الملحد

صغرته، فقلت: سوي فاعلم. تحذف الياء لاجتماع الياءات. وكذلك إن أردت بسواء معنى الاستواء كقولك هذا درهم سواء، أي تمام صغرته؛ كما يلزمك في كل متمكن.

فإن قال قائل: ما معنى قولك: لقلة تمكنها؟

١١٣ / ٢٨٤