تصغير ما كان من الجمع
الجزء ١ · صفحة ١١٤فإنما قلة تمكنها: أنهما داخلتان في معنى غير. تقول: عندي رجل سوى زيد، أي: غير زيد. وغير ليس مما يصغر؛ لأنك إذا قلت: جاءني غيرك لم تخصص واحداً من الناس، إنما زعمت أنه ليس به، وليس يجب فيمن كان غير المذكور أن يكون حقيراً.
و لو قلت: عندي مثلك فحقرت المثل كان جيداً؛ لأنك إذا حقرت الذي هو مثله زعمت أنه هو حقير؛ لأنك حقرت الآخر من حيث زعمت أنه مثله.
و كذلك تحقير شبه، ونحوٍ، وشبيهٍ؛ لأن الشيء لا يشبه الشيء في جميع حالاته، وإنما يشبهه من حيث تشبهه به، ولا يكون إلا على مقدمة: تقول: كان خالد القسري مثل حاتم الطائي. لم ترد الزمان والقدم، ولم ترد الجاهلية والإسلام، ولم ترد أن القبيلة تجتمع عليهما، ولكنك ذكرت جود خالد، فقرنته بحاتم لما سبق له.
و كذلك لو قلت: كان جرير كامرئ القيس بعد أن تذكر الشعر والمرتبة فيه، فهذا دليل التشبيه. فإن قلت: هذا مثيل هذا، وقد قدمت نحواً مما ذكرنا علم أنك حقرته من حيث حقرت المشبه به. فبالمعنى يصلح اللفظ ويفسد.
هذا باب
تحقير الظروف من الأزمنة
و الزمان خاصه وعامه يتصل به الفعل. وذلك أن الفعل إنما بني لما مضى من الزمان ولما لم يمض.
فإذا قلت: ذهب علم أن هذا فيما مضى من الزمان.
و إذا قلت: سيذهب علم أنه لما لم يأت من الزمان.
و إذا قلت: هو يأكل جاز أن تعني ما هو فيه، وجاز أن تريد هو يأكل غداً.
و المكان لا يكون فيه مثل ذلك. فالفعل ينقضي كالزمان، لأن الزمان مرور الأيام والليالي، فالفعل على سننه يمضي بمضيه. وليست الأمكنة كذلك، إنما هي جثث ثابتة، تفصل بينها بالعين، وتعرف بعضها من بعضٍ، كما تعرف زيداً من عمرو.
فكل متمكن من الزمان يصغر. تقول: يويم في تصغير يوم، وعويم في تصغير عام. وإنما صغرته بالواو دون الياء؛ لأن ألفه منقلبة من واو. يدلك على ذلك أعوام، وقولك: عاومت النخلة. وهذا يشرح في باب على حياله بجميع علله إن شاء الله.
و كذلك كل ما كان مثله يرد في التصغير إلى أصله؛ تقول في ليل: لييل، فأما لييلية فلها علة نذكرها في بابها إن شاء الله.
و تقول فيما كان علماً في الأيام كذلك، في تصغير سبت: سبيتٌ، وفي تصغير أحد: أحيد، في الاثنين: ثنيان؛ لأن الألف ألف وصل فهي بمنزلة قولك في ابن: بني، وفي اسم: سمي، وفي الثلاثاء: ثليثاء في قول سيبويه، وفي قولنا: ثليثاء؛ لأنك إنما صغرت ثلاثاً فتسلم الصدر، ثم تأتي بعده بألفي التأنيث، وفي الأربعاء: الأريبعاء، وفي الخميس: الخميس، وفي الجمعة: جميعة.
و كذلك الشهور. تقول في المحرم: محيرم. تحذف إحدى الراءين حتى تصير على مثال جعفر. فإن عوضت قلت: محيريم، وفي صفر: صفير، وفي ربيع: ربيع.
و في جمادى أنت مخير: إن شئت قلت: جميدى وهي أجود، وإن شئت قلت: جميد وتفسيره كتفسير حبارى، وفي رجب: رجيب، وفي شعبان: شعيبان. وكذلك رمضان: رميضان، وفي شوال، شويويل، لأنه فعال مثل حماد، وفي ذي القعدة: ذوي القعدة؛ لأن التصغير إنما يقع على الاسم الأول؛ ألا ترى أنك لو صغرت غلام زيد لقلت: غليم زيد؟ فكذلك هذا وما أشبهه.
و تقول في أسماء الأوقات من الليل والنهار كذلك. تقول في تصغير ساعة: سويعة، وفي غدوة: غدية، وفي بكرة بكيرة وفي ضحوة: ضحية: وفي ضحى ضحي. وكذلك تصغير الضحاء، لأنك تحذف الياء. فيصير مثل تصغير ضحى؛ كما تقول في تحقير عطاء عطيّ. وقد مضى القول في هذا.
و تقول في عشية: عشية. فأما قولهم: عشيشية، وعشيانات. ومغيربان. وأصيلال، وأصيلان، وأصيلانات، ومغيربانات فنذكره في موضعه مع ذكرنا اللييلية، والأنيسيان وما أشبه ذلك مما يخالف تصغيره مكبرة إن شاء الله.
و كل متمكن من أسماء الدهر فتصغيره كتصغير نظائره من سائر الأسماء. فعلى هذا فأجره؛ ألا ترى أنهم قالوا: آتيك بعيدات بينٍ، وأجروه مصغراً على تصغير مثله.
هذا باب
تصغير ما كان من الجمع
اعلم أنك إذا صغرت جمعاً على بناء من أبنية أدنى العدد أقررت اللفظ على حاله. فإن صغرته وهو بناء للكثير رددته إلى أدنى العدد إن كان ذلك فيه. فإن لم يكن فيه أدنى العدد رددته إلى الواحد، وصغرته إن كان مذكراً آدمياً وجمعته بالواو والنون. وإن كان من غيرهم أو مؤنثاً منهم فبالألف والتاء. وقد مضى تفسير هذا. وإنما أعدناه لما بعده.