المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

من بنى من هذه الأفعال اسما

الجزء ١ · صفحة ٣٠

وأما قولهم: إبل مَعَايَا فليس هذا لازماً، ولكنه يجوز ذلك. كل ما كان آخره ياءً قبلها كسرةٌ: أن تبدلها ألفاً بأن تفتح ما قبلها، وذلك قولهم: مِدْرى ومَدارَى، وعذراءُ وعَذَارَى .

وكذلك كل ما كان مثله. والأصل مدارٍ وعذارٍ، ولكنه جاز ذلك على ما وصفنا، لأن الفتحة والألف، أخف من الكسرة والياء، ولم تخف التباسا، لأنه لا يكون شيءٌ من الجمع أصل بنائه فتح ما قبل آخره، ولذلك لم يجز في مثل رامٍ فاعلم أن تحمله على الفتح وتثبت مكان يائه ألفاً ؛ لأنه كان يلتبس براميَ، وغازَى، فهذا جائز هناك، ممتنعٌ في كل موضع دخله التباس .

فإن بنيته بناء فَعِيلة، أو فَعِيل الذي يكون مؤنثاً، أو ما كان جمعه كجمعها لزمك الهمز، والتغيير، من أجل الزيادة: كما ذكرت لك في باب صحائف، وسفائن .

وكذلك فِعالة، وفُعالة، وفَعُول، وكل مؤنث على أربعة أحرف ثالث حروفه حرف لين وما جمعته على جمعه .

وذلك قولك إذا جمعت مثل رمية أو رماية: رمايا، وقضية قضايا وكان الأصل: هذا قضائي فاعلم، ورمائي فاعلم ؛ كقولك: صحائف، فكرهوا الهمزة، والياء، والكسرة، فألزموه بدل الألف، ولم يجز إلا ذلك ؛ لأنه قد كان يجوز فيما ليست فيه هذه العلة، فلما لزمت العلة كان البدل لازماً، فلما أبدلت وقعت الهمزة بين ألفين، فأبدلوا منها ياءً، لأن مخرج الهمزة يقرب من مخرج الألف، فكان كالتقاء ثلاث ألفات، فلذلك قالوا: مطايا، وركايا .

ولو اضطر شاعر لرده إلى أصله ؛ كرد جميع الأشياء إلى أصولها للضرورة. وسنبين ذلك بعد فراغنا من الباب إن شاء الله .

وتقول في فُعْلُول من رميت، وغزوت: رميي، وغزويّ، وفي الجمع: رماييّ، وغزاويّ. لا تهمز في التباعد من الطرف خاصة فإن قلت فَعِيلة مما لامه مهموزة، أو ما يلحقه في الجمع ما يلحق فَعِيلة ؛ نحو: فُعالة، وفِعالة وفَعُولة اعتل اعتلال ما وصفت لك. وذلك قولك: خطيئة، فإن جمعتها قلت: خطايا .

وكان أصلها أن تلتقي همزتان فتقول: خَطَائِيء فاعلم، فأبملت إحدى الهمزتين ياء، لئلا تلتقي همزتان. فلما اجتمعت همزة وياء، خرجت إلى باب مطية وما أشبهها.

واعلم أن كل ما ظهرت الواو في واحدة فإنها تظهر في جمعه .

ليس إن التي تظهر في الجمع تلك الواو، ولكنك تبدل من همزته واوا ؛ لتدل على ظهور الواو في الواحد، إذ كان قد يجوز أن تبدل الهمزة واوا في الباب الذي قبله، وإن كان الاختيار الياء. وذلك في قولك في داوة: أداوى، وهراوة: هراوى .

وقد قال قوم في جمع شهية. شهاوى. فهذا عندهم على قياس من قال في مطية: مطاوى. وليس القول عندي ما قالوا، ولكنه جمع شهوى. وهو مذهب أكثر النحويين .

وكان الخليل يرى في هذا الجمع الذي تلتقي فيه علتان من باب مطايا، وأداوى، الذي تجتمع فيه همزة، وحرف علة القلب ؛ كما كان يرى في باب جاء ذلك لازماً، إذ كان يكون في غيره اختيارا. وكذلك هذا الباب، إذ كنت تقول في شوائع: شواعٍ على القلب أن يكون هذا لازماً فيما اجتمعت فيه ياء، وهمزة .

قال الشاعر :

وكان أولاها كعاب مقامرٍ … ضربت على شُزُنٍ فهن شواعي

فكان يقول في جمع خطيئة: خطائي، فاعلم ؛ لأنها الهمزة التي كانت في الواحدة .

وإذا كانت الهمزة في الواحد لم يلزمها في الجمع تغيير ؛ لأن الجمع لم يجلبها، ألا ترى أنك لو جمعت جائية لم تقل: إلا جواءٍ فاعلم. لأنك إنما ودت الهمزة التي كانت في الواحدة وكذلك لو بنيت فَعْلَل من جاء يا فتى لقلت: جَيْأَى، وتقديرها جيعىً.

فإن جمعت قلت: جياءٍ فاعلم ؛ لأن الهمزة لم تعرض في جمع، إنما كانت في الواحد كالفاء من جعفر، فقلت في الجمع كما قلت: جعافِر .

فهذا أصل هذا الباب: إن التغيير إنما يلزم الجمع إذا كان الهمزة مجتلباً فيه، ولم يثن في واحده .

وكان الخليل يجيز خطايا، وما أشبهه على قولهم في مدرى: مدارى، وفي صحراءٍ: صحارى لا على الأصل، ولكنه يراه المخفة أكثر. ألا ترى أنه إذ أثبت الألف أبدل من الهمزة ياءً، كما يفعل ؛ لئلا تقع همزة بين ألفين لشبه الهمزة بالألف .

واعلم أن الشاعر إذا اضطر رد هذا الباب إلى أصله وإن كان يرى القول لأول، لأنه يجوز له للضرورة أن يقول: ردد في موضع رد، لأنه الأصل كما قال :

الحمد لله العلي الأجللِ

وكما قال :

أني أجود لأقوامٍ وإن ضننوا

٣٠ / ٢٨٤