المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

من بنى من هذه الأفعال اسما

الجزء ١ · صفحة ٣١

ويجوز له صرف ما لا ينصرف ؛ لأن الأصل في الأشياء أن تنصرف. فإذا اضطر إلى الباء المكسور ما قبلها أن يعربها في الرفع والخفض فعل ذلك ؛ لأنه الأصل ؛ كما قال ابن الرقياتى :

لا بارك الله في الغواني هل … يصبحن إلا لهن مطلب

لأن غواني فواعل، فجعل آخرها كآخر ضوارب .

وقال الآخر :

قد عجبت مني ومن يعيليا … لما رأتني خلفا مقلوليا

لأنه لما بلغ بتصغير يعلى الأصل صار عنده بمنزلة يعلم لو سميت به رجلاً ؛ لأنه إذا تم لم ينصرف. فإنما انصرف باب جوارٍ في الرفع والخفض، لأنه أنقض من باب ضوارب في هذين الموضعين .

وكذلك قاضٍ فاعلم. لو سميت به امرأة لانصرف في الرفع والخفض ؛ لأن التنوين يدخل عوضاً مما حذف منه .

فأما في النصب فلا يجرى ؛ لأنه يتم فيصير بمنزلة غيره مما لا علة فيه .

فإن احتاج الشاعر إلى مثل جوارٍ فحقه - إذا حرك آخره في الرفع والخفض - ألا يجريه، ولكنه يقول: مررت بجواري كما قال الفرزدق :

فلو كان عبد الله مولى هجوته … ولكن عبد الله مولى مواليا

فإنما أجراه للضرورة مجرى ما لا علة فيه .

فإن احتاج إلى صرف ما لا ينصرف صرفه مع هذه الحركة، فيصير بمنزلة غيره مما لا علة فيه ؛ كما قال :

فلتأنينك قصائدٌ وليركبن … جيشٌ إليك قوادم الأكوار

ألا ترى أنه في قوله: مولى مواليا قد جعله بمنزلة الصحيح ؛ كما قال جرير :

فيوماً يجارين الهوى غير ماضيٍ … ويوماً ترى منهن غُولٌ تغوَّلُ

وقال الكميت :

خريع دوادي في ملعبٍ … تأزَّر طولاً وتلقى الإزارا

ويكفيك من هذا كله ما ذكرت لك: من أن الشاعر إذا اضطر رد الأشياء إلى أصولها. فأما قوله :

سماء الإله فوق سبع سمائيا

فإنه رد هذا إلى الأصل من ثلاثة أوجه : أحدهما: أنه جمع سماءً على فعائل، والذي يعرف من جمعها سماوات .

والثاني: أنه إذا جمع سماءً على فعائل فحقه أن يقول: سمايا، لأن الهمز يعرض في الجمع بدلاً من الألف الزائدة في فَعال وترجع الواو التي هي همزة، في سماءٍ، لأن سماءً إنما هو فَعال من سموت. فتصير الواو ياءً لكسرة ما قبلها، كما صارت واو غزوت ياءً في غازٍ، فتلقى همزة، وياء، فيلزم التغيير كما ذكرت لك، فردها للضرورة إلى سمائيا ثم فتح آخرها وكان حق الياء المنكسر ما قبلها أن تسكن، فإذا لحقها التنوين حذفت لالتقاء الساكنين، فحرك آخرها بالفتح، كما يفعل بالصحيح الذي لا ينصرف .

فهذه ثلاثة أوجه: جمعها على فعائل، وتركها ياءً، ومنعها الصرف .

وأما ما كان من هذا الباب كأول في بابه فِعلَّته في الهمز كعلة أول، إلا أن الهمز يلزم ذوات الياء، والواو، والتغيير .

تقول في فَعَّل من حييت: حيا. وكذلك فَعْلَل: اللفظان سواء .

فأما فعَّل فإنك ثقلت العين - وهي ياء - ؛ كما ثقلت عين قطَّع، فانفتح ما قبل الياء التي هي لام وهي في موضع حركة، فانقلبت ألفا .

ولا يكون اسم على مثال فَعَّل إلا أن تصوغه معرفةً، فتنقله من فعَّل. فأما قولهم بقَّم فإنه اسم أعجمي. فلو سميت به رجلاً لم تصرفه في المعرفة ؛ لأنه وقع من كلام العرب على مثال لا تكون عليه الأسماء، فلم يكن بأمثل حالاً من عربي لو بنيته على هذا المثال .

فأما قولهم: خضَّم - للعنبر بن عمرو بن تميم - فإنما هو فعل منمقول، وهو غير منصرف في الاسم .

وهذا شيء ليس من هذا الباب، ولكن لما ذكر وصفنا حاله. ثم نعود من القول إلى الباب. وأما فَعْلَلٌ من حييت فإن العين ساكنة، واللامان متحركان، فأدغمت العين في اللام الأولى، وأبدلت الثانية ألفا .

فإن جمعت فعْلَل فتقدير جمعه: فعَالل ؛ كما قلت في قردذ: قرادذ .

وإن جمعت فَعَّل فتقدير جمعه فَعاعِل ؛ كما تقول في سلَّم: سلالم وأيهما جمعت يلزمه الهمز. ليس من أجل أن فيه زائداً، ولكن لالتقاء حرفين معتلين، الألف بينهما كما ذكرت لك في أوائل .

فتقول فيهما: حيايا. وكان الأصل حيائي، فلزم ما لزم مطية في قولك: مطايا. وكذلك لو قلت: فعاعل من جئت لقلت: جيايا .

وكان الأصل جيائي. فكنت تبدل الثانية ياءً، كما فعلت في قولك: هذا جاءٍ فاعلم، ثم تذهب إلى باب مطايا .

٣١ / ٢٨٤