الهمز
الجزء ١ · صفحة ٣٣اعلم أنه لا يكون فعل، ولا اسم موضع فائه واو، ولامه واو. لا يكون في الأفعال مثل وعوت وأما الياء فقد جاء منها لخفتها. وذلك قولك: يديت إليه يداً. وهو مع ذلك قليل ؛ لأن باب سلس، وقلق أقل من باب رد. فلذلك كثر في الياء مثل حييت، وعييت، وقل فيما وصفت لك .
هذا باب
ما جاء على أن فعله على مثال حييت
وإن لم يستعمل
لأنه لو كان فِعْلا للزمته علة بعد علة. فرفض ذلك من الفعل ؛ لما يعتوره من العلل. وذلك نحو: غاية، وراية، وثاية .
فكان حق هذا أن يعتل منه موضع اللام، وتصحح العين، كما ذكرت لك في باب حييت، فيكون فَعَلة منه على مثال حياة، ولكنه إنما بنى اسماً، فلم يجر على مثل الفعل. هذا قول الخليل.
وزعم سيبويه عمرو بن عثمان أن غير الخليل ولم يسمهم كان يقول: هي فَعْلَة في الأصل وكان حقها أن تكون أية. ولكن لما التقت ياءان قلبوا إحداهما ألفاً كراهية التضعيف. وجاز ذلك ؛ لأنه اسم غير جارٍ على فِعْل .
وقول الخليل أحب إلينا .
ومما رفض منه الفعل لما يلحقه من الاعتلال أول. وهو أَفْعَل. يدلك على ذلك قولهم: هو أول منه، كقولك: هو أفضل منه، وأفضل الناس، وأن مؤنثه الأولى ؛ كما تقول: الكبرى والصغرى. ولكن كانت فاؤه من موضع عينه، ومثل هذا لا يكون في الفعل .
ومما لا يكون منه فِعْل يوم وآءة ؛ لما يلزم من الاعتلال واعلم أن اللام إذا كانت من حروف اللين، والعين من حروف اللين فإن العين تصحح، ولا تعتل، وتعل اللام، فتكون العين بمنزلة غير هذه الحروف ؛ لئلا تجتمع على الحرف علتان وقد مضى تفسير هذا في باب حيت. وإنما ذكرناها هاهنا لمجيء هذه الأسماء على ما لا يكون فعلاً، ولا اسماً مأخوذاً من فِعْل .
فلو بنيت من حييت فَعَلَة أو من قويت لقلت: قواة .. وحياة ؛ كما تقول من رميت: رماة. فتكون الياء أو الواو التي هي عين بمنزلة غير المعتل .
فأما قولهم: شاءٌ كما ترى فإن فيه اختلافاً : يقول قوم: الهمزة منقلبة من ياءٍ، وأنها كانت في الأصل شاي كما ترى، فأعلت العين وهي واو من قولهم: سويٌ وقلبت الياء همزة ؛ لانها طرف وهي أبعد ألف. فكان هذا بمنزلة سقاءٍ وغزاءٍ. فيقال لهم: هلا إذا أعلت العين صححت اللام، ليكون كباب غاية، وآية ؟ ألا ترى أنهم لما أعلوا العين صححوا اللام ؛ لئلا تجتمع علتان ؛ فقالوا: آي، وراي جمع راية، قال العجاج :
وخطرت أيدي الكماة، وخطر … رايٌ إذا أورده الطعن صدر
ونظير ذلك قولهم في جمع قائم: قيام، وفي جمع ثوب: ثياب، فلما جمعوا روي قالوا: رواءٌ فاعلم، فأظهروا الواو التي هي عين لما اعتلت الياء، وهي في موضع اللام .
ولا اختلاف في أنه لا يجتمع على الحرف علتان .
وزعم أهل هذه المقالة في شاءٍ يا فتى أنه واحد في معنى الجمع ولو كان جمع شاة وعلى لفظها لم يكن إلا شياه، لأن الذاهب من شاة الهاء، وهي في موضع اللام يدلك على ذلك قولهم: شويهة في التصغير .
وزعم أن الهمزة منقلبة من حرف لين لقولهم: شويٌ في معنى الشاء وقساد قولهم ما شرحت لك .
وأما غير هؤلاء فزعم أن شاءً جمع شاة على اللفظ ؛ لأن شاة كانت في الأصل شاهة، على قولك شويهة، والظاهر هاء التأنيث، فكرهوا أن يكون لفظ الجمع كلفظ الواحد، في الوقف، فأبدلوا من الهاء همزة فقالوا: شاءً فاعلم، لقرب المخرجين ؛ كما قالوا: أرقت، وهرقت، وإياك، وهياك، وكما قالوا: ماء فاعلم، وإنما أصله الهاء، وتصغيره مويه فاعلم وجمعه أمواه، ومياه .
وذهب هؤلاء إلى أن شوي مخفف الهمزة كما تقول في النبي، والبرية، ويفسر هذا في باب الهمز مستقصى إن شاء الله.
وهذا القول الثاني هو القياس .
باب
الهمز
اعلم أن الهمزة حرف يتباعد مخرجه عن مخارج الحروف، ولا يشركه في مخرجه شيءٌ، ولا يدانيه إلا الهاء والألف. ولهما علتان نشرحهما إن شاء الله .
أما الألف فقد تقدم قولنا في أنها لا تكون أصلاً، وأنها لا تكون إلا بدلاً أو زائدة. وإنما هي هواء في الحلق يسميها النحويون الحرف الهاوي .