إدغام المثلين
الجزء ١ · صفحة ٤٤فالرخوة كالسين، والشين، والزاي، والصاد، والضاد، وكل ما وجدت فيه ما ذكرت لك والشديدة ؛ نحو الهمزة، والقاف، والكاف، والتاء، ونذكر هذا في موضعه مستقصى إن شاء الله.
وهذه الحروف التي تعترض بين الرخوة، والشديدة هي شديدة في الأصل وإنما يجري فيها النفس ؛ لاستعانتها بصوت ما جاورها من الرخوة ؛ كالعين التي يستعين المتكلّم عند اللفظة بها بصوت الحاء، والتي يجري فيها الصوت ؛ لانحرافها واتصالها بما قد تقدمنا في ذكره من الحروف، وكالنون التي يستعين بصوت الخياشيم ؛ لما فيها من الغنة، وكحروف المد واللين التي يجري فيها الصوت للينها.
فهذه كلها رسمها الشدة. فهذا ما ذكرت لك من الاستعانة.
ومنها الراء. وهي شديدة، ولكنها حرف ترجيع. فإنما يجري فيها الصوت ؛ لما فيها من التكرير.
واعلم أن من الحروف حروفا محصورة في مواضعها فتسمع عند الوقف على الحرف منها نبرة تتبعه وهي حروف القلقلة. وإذا تفقّدت ذلك وجدته.
فمنها القاف، والكاف، إلا أنها دون القاف ؛ لأن حصر القاف أشدّ، وإنما تظهر هذه النبرة في الوقف، فإن وصلت لم يكن، لأنك أخرجت اللسان عنها إلى صوت آخر، فحلت بينه وبين الاستقرار. وهذه المقلقلة بعضها أشدّ حصرا من بعض، كما ذكرت لك في القاف والكاف.
وإنما قدّمنا هذه المقدّمات في مواضع الأصول لنجريها في مسائل الإدغام على - ما تقدّم منّا فيه غير رادين له. ثم نذكر الإدغام على وجهه إن شاء الله.
هذا باب
إدغام المثلين
ونذكر أولا معنى الإدغام، ومن أين وجب ؟.
اعلم أن الحرفين إذا كان لفظهما واحد فسكن الأول منهما فهو مدغم في الثاني.
وتأويل قولنا مدغم أنه لا حركة تفصل بينهما، فإنما تعتمد لهما باللسان اعتمادة واحدة، لأن المخرج واحد، ولا فصل. وذلك قولك: قطّع، وكسّر. وكذلك محمد، ومعبّد، ولم يذهب بكر، ولم يقم معك. فهذا معنى الإدغام.
فإذا التقى حرفان سواء في كلمة واحدة، الثاني منهما متحرك ولم يكن الحرف ملحقا. وقد جاوز الثلاثة أو كان منها على غير فَعَل، أو ما ليس على مثال من أمثلة الفعل وجب الإدغام، متحرّكا كان الأول أو ساكنا، لأن الساكن على ما وصفت لك والمتحرّك إذا كان الحرف الذي بعده متحرّكا أسكن ؛ ليرفع اللسان عنهما رفعة واحدة ؛ إذ كان ذلك أخفّ، وكان غير ناقض معنى، ولا ملتبس بلفظ. هذا موضع جمل. وسنذكر تفصيلها إن شاء الله.
هذا باب إدغام المثلين في الفعل وما اشتق منه وما يمتنع عن ذلك اعلم أن الألفين لا يصلح ففيها الإدغام، لأن الألف لا تكون إلا ساكنة، ولا يلتقي ساكنان، وقد قلنا في الألف أولا ما يغنى عن إعادته.
وكذلك الهمزتان لا يجوز فيهما الإدغام في غير باب فَعّل وفَعّال، لما ذكرت لك.
فإن التقتا وهما لامان، أوعين ولام مما لم نستثنه لم يجز فيهما الإدغام، لأنه لا يجوز أن يحققا جميعا. فإذا لم يجز اجتماعهما، لأن الثانية في قول الخليل وغيره في الكلمة الأولى مبدلة والأولى في المنفصلين خاصةً في قول أبي عمرو مخففة، فلم يلق الحرف ما يشبهه.
فأما من قال بقول ابن أبي إسحاق تحقيق الهمزتين فغ، ه يدغم، لأنهما بمنزلة غيرهما من الحروف.
فأمما ما يلتقى فيه حرفان الأول منهما ساكن من غير ما ذكرنا فالإدغام فيه واجب، لا يقدر إلا على ذلك، نحو قولك: قوة، وردة، وقر فاعلم.
وأما ما التقتا فيه والأولى متحركة والثانية كذلك مما هو فِعْل نحو قفولك: رد يافتى، وفر فتقديره: فَعَل، وأصله ردد، وفرر، ولكنك أدغمت ؛ لثقل الحرفين إذا فصلت بينهما، لأن اللسان يزايل الحرف إلى موضع الحركة، ثم يعود إليه.
ومثل ذلك مس، وشم، وعض، وتقديرها: فَعِلَ. يبين ذلك قولك: عضضت، وشممت، أشم، وأعض، كما تقول في فَعَلَ رددت، وفررت، أردّ، وأفرّ.
وكذلك فَعُلَ: نحو: لبّ الرجل من اللبّ، ولم يأت من فَعُل غيره، لثقل الضمة مع التضعيف. وذلك قولك: لببت لبابة فأنت لبيب، كما قالوا: سفه سفاهة وهو سفيه.
وأكثرهم يقول: لببت تلب وأنت لبيب، على وزن مرض يمرض وهو مريض، استثقالا للضمة كما وصفت لك.
فهذا لا اختلاف فيه انه مدغم.
فإن كان من هذا شيءٌ من الأسماء فكان على مثال الفِعْل فحكمه حكم الفعل، إلا ما استثنيته لك .