المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

فحق ذلك أن يكون لفظه جاريا على ما قلب إليه

الجزء ١ · صفحة ٥

وكذلك لو قلت: جاءني الذي اللذان ضرباه القائمان إليك كانت الذي جاءك واحدا، وهذا الكلام من صلته بمنزلة قولك: جاء الذي أبوه منطلق، وجاءني الذي أبوه غلامه زيدٌ إذا كان الغلام للأب، فإنما الصلة موضحة عن الموصول وفي هذه المسائل ما يدلك على جميع ما يرد عليك في هذا الباب إن شاء الله.

وتقول: ضربت زيدا أخا عمرو، فإن شئت جعلت أخا عمرو صفة ؛ وإن شئت جعلته بدلا.

وتقول: ضربت أخاك زيدا، فلا يكون زيد إلا بدلا، لأنه اسم علم. وإنما الصفات تحلية الشيء ؛ نحو الظريف، والطويل، وما أشبه ذلك مما أخذ من الفعل أو نسب، نحو الفلاني، والتميمي، والبكري، وما اعتوره شيء من هذين المعنيين.

والبدل يجوز في كل اسم معرفةً كان أو نكرةً مظهراً كان أو مضمر إذا كان الأول في المعنى أو كان بعضه.

فأما بدل المعرفة من المعرفة فكقولك: مررت بأخيك عبد الله.

ونظير بدل المعرفة من المعرفة نحو قول الله عز وجل: " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم " .

وبدل المعرفة من النكرة كقولك: مررت برجل زيد. كأنك نحيت الرجل ووضعت زيدا مكانه. فكأنك قلت: مررت بزيد، لأن ذلك الرجل هو زيد في المعنى: ونظير هذا قول الله " وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم صراط الله " .

وبدل النكرة من المعرفة كقولك: مررت بزيد رجل صالح، وضعت الرجل في موضع زيد، لأنه هو في المعنى. ونظير هذا قول الله عز وجل: " لنسفعنا بالناصية ناصيةٍ كاذبةٍ " .

وأما بدل بعض الشيء منه للتبيين فنحو قولك: ضربت زيدا رأسه وجاءني قومك بعضهم أراد أن يبين الموضع الذي وقع الضرب به منه، وأن يعلمك أن بعض القوم جاء لا كلهم. ومن ذلك قول الله عز وجل " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " لأن فرض الحج إنما وقع منهم على المستطيع.

وقد يجوز أن يبدل الشيء من الشيء إذا اشتمل عليه معناه، لأنه يقصد قصد الثاني، نحو قولك: سلب زيدٌ ثوبه، لأن معنى سلب: أخذ ثوبه، فابدل منه لدخوله في المعنى.

ولو نصبت الثوب كان أجود إذا لم ترد البدل.

ومثل ذلك قول الله عز وجل " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه " ، لأن المسألة وقعت عن القتال. ومثل ذلك قول الأعشى ينشد كما أصف لك:

لقد كان في حولٍ ثواءٍ ثويته … تقضي لباناتٍ ويسأم سائم

اراد: لقد كان في ثواء حول، فأوقع الفعل على الحول، وجعل ثواء بدلا منه، كما أنه إذا قال: ضربت زيدا رأسه، إنما أراد: ضربت رأس زيد، فأوقع الفعل وجعله بدلا. ويروى: تقضى لباناتٌ ويسأم.

وللبدل موضع آخر وهو الذي يقال له: بدل الغلط. وذلك قولك. مررت برجل حمارٍ، أراد أن يقول: مررت بحمار، فإما أن يكون غلط في قوله: مررت برجل، فتدارك، فوضع الذي جاء به وهو يزيده في موضعه، أو يكون كأنه نسى، فذكر .

فهذا البدل لا يكون مثله في قرآن ولاشعر، ولكن إذا وقع مثله في الكلام غلطا أو نسيانا، فهكذا إعرابه.

هذا باب

ما كان لفظه مقلوباً

فحق ذلك أن يكون لفظه جاريا على ما قلب إليه

فمن ذلك قسى، وإنما وزنها فُعول، وكان ينبغي أن يكون … قووس ؛ لأن الواحد قوس وأدنى العدد فيه أقواس والكثير قياس، كما تقول: ثوب و أثواب و ثياب، وسوط وأسواط وسياط. و كذلك جميع هذا الباب الذي موضع العين منه واو.

فأما قووس فجار على غير ما تجري عليه ذوات الواو ؛ نحو: كعب وكعوب، وصقر وصقور، فكرهوا واوين بينهما ضمة فقلبوا.

وكان حق فَعْل من غبر المعتل أن يكون أدنى العدد فيه أَفْعُل " ؛ كقولك: كعب وأكعب، وكلب أكلب، وصقر وأصقر. فهذه العلة قلب إلى أَفْعَال فقيل: أبيات، وأثواب .

إذ كان ذلك قد يكون في غير المعتل من فرخ وأفراخ. وزند و أزناد، وجد وأجداد فإن احتاج إليه شاعر رده إلى الأصل كما قال:

لكل دهرٍ قد لبست أثوابا

فهذا نظير فُعُول في الواو.

ومن المقلوب قولهم أينق في جمع ناقة. وكان أصل هذه أنوق والعلة فيه كالعلة فيما وصفنا.

فلو سميت بأنيق رجلا لم تصرفه إلا في نكرة ؛ لأنه أَفْعُل على مثال أقتل.

٥ / ٢٨٤