ما جاء من الكلم على حرفين
الجزء ١ · صفحة ٨وأشد من هذا في الضرورة أن يحذف الحركة كما قال :
فظلت لدى البيت العتيق أريغه … ومطواي مشتاقان له أرقان
فأما ما كان من هذه الحروف التي جاءت لمعان، فهي منفصلة بأنفسها مما بعدها وقبلها، إلا أن الكلام بها منفردة محالٌ، كما وصفت لك. فإن منها: كاف التشبيه التي في قولك: أنت كزيد، ومعناه: مثل زيد ، واللام التي تسمى لام الملك ؛ نحو هذا لعبد الله ولك. تكون مكسورة مع الظاهر، ومفتوحة مع المضمر: لعلة قد ذكرت في موضعها .
وهي التي في قولك: جئت لأكرمك ؛ لأن الفعل انتصب بإضمار أن، و أن والفعل مصدر. فقد صار المعنى جئت لإكرامك .
ومنها الباء التي تكون للإلصاق، والاستعانة .
فأما الإلصاق فقولك مررت بزيد، وألممت بك، وأما الاستعانة فقولك: كتبت بالقلم، وعمل النجار بالقدوم .
ومنها واو القسم التي تكون بدلاً من الباء ؛ لأنك إذا قلت: بالله لأفعلن فمعناه: أحلف بالله. فإذا قلت: والله لأفعلن فذلك معناه ؛ لأن مخرج الباء، والواو من الشفة .
ومن ذلك الكاف التي تلحق آخر الكلام لا موضع لها، نحو كاف ذاك، ورويدك و " أرأيتك هذا الذي كرمت علي " .
وقولهم: أبصرك زيدا .
وهذه الحروف كثيرة إلا أنا نذكر منها شيئاً يدل على سائرها .
هذا من باب
ما جاء من الكلم على حرفين
فمن ذلك مَنْ وهي لمن يعقل تكون في الخبر، والاستفهام، والمجازاة .
وتكون في الخبر معرفةً، ونكرةٌ. فإذا كانت معرفة لزمتها الصلة، كما تلزم الذي .
وإذا كانت نكرة لزمها النعت لإبهامها .
فأما كونها في الاستفهام فكقولك: مَنْ ضربك ؟ ومن أخوك ؟ وأما المجازة فقولك: من يأتني آته .
وأما في الخبر فرأيت من عندك .
وأما كونها نكرةً فقولك: مررت بمن صالح كما قال :
يا رُبّ من يبغض أذوادنا … رحن على بغضائه واغتدين
ألا ترى أنها في جميع هذا واقعة على الآدميين .
ومنها ما وهي سؤال عن ذات غير الآدميين، وعن صفات الآدميين .
وتقع في جميع مواضع من، وإن كان معناها ما وصفت لك.
وذلك قولك في الاستفهام: ما عندك ؟ فليس جواب هذا أن تقول: زيد، أو عمرو، وإنما جوابه أن تخبر بما شئت من غير الآدميين، إلا أن تقول: رجل فتخرجه إلى باب الأجناس.
ويكون سؤالاً عن جنس الآدميين إذا دخل في الأجناس، أو تجعل الصفة في موضع الموصوف كما تقول: مررت بعاقل. ومررت بحليم، فإن ما على هذه الشريطة - تقع على الآدميين لإبهامها. قال الله عز وجل " إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " . ف ما ههنا للآدميين، وكذلك تقول: رأيت ما عندك بمعنى الذي .
وتقول: ما تصنع أصنع على المجازة. وقد قيل في قوله عز وجل، معناه: أو ملك أيمانهم، وكذا قيل في قوله عز وجل: " والسماء وما بناها " أي وبنائها، وقالوا: والذي بناها .
وأما وقوعها نكرةٌ فقوله:
رُبَّ ما تكره النفوس من الأمر له فرجةٌ كحل العقال
واعلم أنه لا يكون اسم على حرفين إلا وقد سقط منه حرف ثالث، يبين لك ذاك التصغير والجمع .
فالأسماء على أصول ثلاثة بغير زيادة: على ثلاثة، وأربعة، وخمسة .
والأفعال على أصلين: على ثلاثة، وأربعة، ونذكر هذا في موضعه .
ومما جاء على حرفين من الحروف التي جاءت لمعنى والأسماء الداخلة على هذه الحروف قولهم قَدْ .
وهي تكون اسما إذا كانت في موضع حَسْب ؛ نحو قوله: كأَنْ قَدْ، ونحو قولك: قدك من هذا: أي حسبك .
وتكون حرفاً جاء لمعنى. فإذا كانت كذلك فلها موضعان من الكلام : أحدهما: أن تكون لقوم يتوقعون الخبر ؛ نحو قولك: ها جاء زيد ؟ فيقول لك: قد جاء .
وتقول: لما يأت فيقول لك: قد أتى .
وتكون في موضع ربما كقوله :
قد أترك القرن مصفراً أنامله … كأن أثوابه مجت بفرصاد
وقوله :
وقد أقود أمام الخيل سلهبةً … يهدي لها نسبٌ في الحي معلوم
ومنها هَلْ وهي للاستفهام ؛ نحو قولك: هل جاء زيد ؟ وتكون بمنزلة قد في قوله عز وجل " هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر " ؛ لأنها تخرج عن حد الاستفهام، تدخل عليها حروف الاستفهام ؛ نحو قولك: أم هل فعلت ؟ وإن احتاج الشاعر إلى أن يلزمها الألف فعَلَ كما قال :
سائل فوارس يربوعٍ بشدتنا … أهل رأونا بسفح القف ذي الأكم