[سورة آل عمران — آية 26]
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ ﴾ مفادى ، والميم عوض عن أصل حروف النداء ، وهو يا ، ولكونه حرفين ياء وألف شددت الميم فتكون حرفين ، وخصت الميم لشبهها بالواو التى هى حرف علة كثرت زيادتها ، وتكون مع الألف حرف نداء فى الندبة ، وقلت فى غيرها ، ولأنها أخت الياء التى هى بعض يا ﴿ مَالِكَ المُلْكِ ﴾ كله ، يتصرف فى الأشياء بما يشاء ، إيجاد وإعداما ، وإماتة وإحياء ، وتعذيبا وإثابة ، وتنبئة وإرسالا ، وغير ذلك ، على الإطلاق بلا مشاركة ، وزعم بعض أنه النبوة ، وقيل ، المال والعبيد ، وقيل ، الدنيا والآخرة ، وقيل ، المعنى مالك الملوك ووراثهم ، كما جاء ، أنا الله مالك الملوك ، ومالك الملك ، قلوب الملوك ونواصيهم بيدى ، فإن العباد أطاعونى جعلهم عليهم رحمة ، وإن هم عصونى جعلتهم عليهم عقوبة ، فلا تشتغلوا بسب الملوك ، ولكن توبوا إلىّ أعطفهم عليكم ، ونصب مالك على النداء ، وقيل على التقية لله ، إذ محله المنصب ، وهو قول المبرد والزجاج ويبحث فيه بأن اتصال الميم به شبهه باسم الصوت واسم الفعل ، وخالف سائر المركبات التى تنعت كسيبويه فإن حرف البناء فيه قبل الميم وهو بالهاء المضمومة ، وضمة النداء تشبه حركة الإعراب ، قيل ، ولو نعت لكان بعد النعت ، لأنها عوض حرف النداء ، وهو لا يكون وسطا ﴿ تُؤْتِى المُلْكَ ﴾ المعهود فى الأذهان ، وهو بعض الملك العام ، أو تؤتى الملك العام المذكور ، أو العام المذكور ، أى بعضه ﴿ مِمَّن تَشَآءُ ﴾ منهم ، قال البهقى وابن جرير إنه صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا ، وأخذوا يحفرون ظهرت فيه صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول ، فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره ، فجاء ، فأخذ المعول منه ، فضربها ضربة صدعتها ، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها ، حتى لكأن مصباحا فى جوف بيت مظلم ، فكبر وكبر معه المسلمون ، فقال : أضاءت لى منها قصور الحيرة ، كأنها أنياب الكلاب ، أى بياضا وصفرة ، وانضماما وتمايزا بشرافات ، ثم ضرب الثانية فقال ، أضاءت لى منها القصور الحمر من أرض الروم ، لأنها بالآجرّ ، ولقدمها ، ثم ضرب الثالثة ، فقال أضاءت لى منها قصور صنعاء ، وأخبرنى جبريل بأن أمتى ظاهرة عليها كلها فأبشروا ، فقال الكافرون : ألا تعجبون ، يمنيكم ويعدكم الباطل ، ويخيركم أنه يرى من يثرب قصور الحيرة وأنها تفتح لكم ، وإنام تحفرون الخندق من الخوف ، فنزلت الآية : قل اللهم مالك الملك ، وبسطت الحديث فى شرح النونية :
تيمم نجدا فى تلهفه الجانى … يؤم رسول الله للإنس والجان
ولما فتح مكة ذكر أنه سيفتح الله الروم والفرس له ، فقال بعض المنافقين : يكفيه مكة والمدينة ، وأما فارس والروم فهم أبعد شىء أن ينالهما فقيل : نزلت الآية فى هذا متأخرة عن زمان الحفر ، والخندق معرّب كُندة ، قيل وأنياب الكلاب ذم لهم وإهانة لما لهم ، والمراد بالكافرين المنافقون بإضمار الشرك كما صرح فى رواية بالمنافقين ، والمراد بالنزع ترك الإعطاء من أول ، كقولك : ضيق فم البئر ، أى احفره ضيقا ، أو مطلق الترك فيشمل النزع بعد الإعطاء وعدم الإعطاء من أول فهو من عموم المجاز ، أو على ظاهره ، على أن الملك الثانى النبوة ، والرسالة بعض الملك العام ، أو معهود ذهنا ، والثالث عهد الثانى ، أى تنزع النبوة والرسالة من بنى إسرائيل ، وتؤتاها العرب ، ولا ضعف فى وصف هذا بالنزع والنقل ، بل جاء مثله فى أحاديث ، أو أريد الترك من أول ، نعم إطلاق الملك على النبوة مجاز يجتاج لقرينة تخصها لكن قد فسر بذلك قوله تعالى : فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ، والنزع بالموت و الجنون ولامرض ، وإزالة إبراهيم الكتاب والحواس وتلف الأموال ، وقوة النزاع ، ومن المسلم للكافر ، ومن الكفر للمسلم ، ومن كافر لكافر ، ومسلم لمسلم ، ومن عادل لجائر أو عادل ، أو منه لعادل أو جائر ﴿ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ ﴾ بإيتاء الملك كالنبى والمؤمنين ﴿ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ﴾ بنزعة ، كفارس والروم والمشركين من العرب وغيرهم ، واليهود والنصارى بالقتل والجزية أو تعز من تشاء فى الدنيا بالنصر والتوفيق ، أو بهما فى الدنيا والآخرة ، وتذل من تشاء فيهما بعدم النصرة أو بعدم التوفيق ، أو بهما أو تعز من تشاء فى الدنيا أو الآخرة ، أو فيهما ، وتذل من تشاء كذلك ﴿ بِيَدِكَ الخَيْرُ ﴾ والشر ، دنيا وأخرى ، وخص الخير بالذكر لأنه مرغوب فيه وأنسب بما نزلت فيه الآية من ملك الحيرة والروم واليمن ، ولأنه مقضى بالذات والشر بالعرض ، ولأنه أنسب بالخطاب المراد به الجلب باللين ﴿ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ومن قدرته ما فى قوله تعالى :
﴿ تُولِجُ ﴾ تدخل ﴿ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ ﴾ بإدخال ما ينقص من أحدهما فى الآخر ، ولا حصر فى الآية ، فلا يشكل يوم الاستواء وليلته ، ولا استياؤهما دائما عند خط الاستواء ، والمعتبر الغالب ، وقيل الإيلاج تعقيب كل بالآخر ، والقادر على ذلك قادر على أن ينزع الملك من الأقوياء الكثيرين عددا ومالا وبدنا كالروم وفارس ، ويعطيه الأفلاّء الضعفاء فى ذلك ، وقدم الليل لتقدم الظلمة على النور ﴿ وَتُخْرِجُ ﴾ أى تنشىء ﴿ الْحَىِّ ﴾ كالإنسان ونحوه ، والطائر ونحوه ، والحوت ﴿ مِنَ المَيِّتِ ﴾ كالنطفة لسائر الدواب والإنسان ، وكالبيضة للطائر والحية ونحوهما ، وكالماء للحوت والجراد الخارج من البحر ، أو تنشىء الحى وتميته ﴿ وَتُخْرِجُ المَيْتَ ﴾ كالنطفة والبيضة ﴿ مِنَ الْحَىِّ ﴾ أو تخرج المسلم من الكافر ، والكافر من المسلم ، فالإسلام كالروح ، والكفر كسلب الروح ، قال الله جل وعز : ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ وهو حق ، إى أن الآية سيقت للإستدلال ، والكافر لا يعتبر بهذا ، أو كل ذلك جمعاً بين الحقيقة والمجاز ، أو حملا على عموم المجاز ، فتخرج النطفة من الحيوان ، والنخلة من النواة ، والنواة من النخلة ، والطيب من الخبيث ، والخبيث من الطيب ، والعالم من الجاهل ، والجاهل من العالم ، والذكى من البليد ، والبليد من الذكى لما خلق الله آدم أخرج ذريته ، فقبض قبضة فقال : هؤلاء أهل الجنة وأهل النار ، فيخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر ، فذلك قوله تعالى : وتخرج الحى من الميت ألخ روا ه ابن مرويه عن سلمان مرفوعا ﴿ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ أى رزقاً واسعاً ، فى الدنيا والآخرة ، أو فيهما ، أو بغير استحقاق وبلا بتعة .
وقد يكون التوسيع فى الدنيا استدراجا ، وكثيراً مايوسع على الأبله والمجنون والطفل ، ويضيق على الحادق المحتال . ؟
لو كان بالحيل الكثيرُ وجدتنى … بأجل أسباب السماء تعلقى
لكن من رزق الحجا حرم الغنى … ضدان مفترقان أى تفرق
ومن الدليل من القضاء وكونه … بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
روى الديلمى أنه قال على عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما أمر الله تعالى أن تنزل فاتحة الكتاب وآية الكرسى ، وشهد الله ، وقل اللهم مالك إلى قوله بغير حساب تعلقن بالعرش وقلن : يا رب ، بهبطنا إلى دار الذنوب ، وإلى من يعصيك ، فقال الله تعالى : وعزتى وجلالى ، لا يقرؤكن عبد عقب كل صلاة مكتوبة إلا أسكنته حظيرة القدس على ما كان منه ، أى بتوفيقه للتوبة ، وإلا نظرت إليه بعينى المكنونة فى كل يوم سبعين نظرة ، وإلا قضيت له فى كل يوم سبعين حاجة ، أدناها المغفرة ، وإلا أعذته من عدوه بنصرته عليه ولا يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت . قال معاذ بن جبل : شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ديناً كان علىّ ، فقال : يا معاذ ، أتحب أن يقضى دينك؟ قلت : نعم ، قال : قل ، اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ، بيدك الخير ، إنك على كل شىء قدير ، رحمان الدنيا والآخرة رحيم ما تعطى منهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء ، اقض عنى دينى ، فلو كان عليك ملء الأرض ذهباً قضاه الله ، رواه ابن أبى الدنيا ، ورواه الطبرانى ، لكن إلى بغير حساب ، والباء متعلق بترزق بمعنى مع ، أو بمحذوف حال من ضمير ترزق ، كأنه قيل ، غير محاسب ، بكسر السين ، أو مِنَ مَن ، كأنه قيل : غير محاسب بفتحها .