مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

المصاحف العثمانية والأحرف السبعة

الجزء ١ · صفحة ٩

8 - قال الإمام الطبري: «فإن قال فما بال الأحرف الأخر الستَّة غير موجودة؟ … وقد أقرأهنَّ رسول الله أصحابه، وأمر بالقراءة بهنَّ، وأنزلهنَّ الله من عنده على نبيِّه صلى الله عليه وسلم، أنُسِخت فرُفعت؟ فما الدلالة على نسخِها ورفعِها؟ أم نسيَتهُنَّ الأمَّة؟ فذلك تضييعُ ما قد أُمروا بحفظه؟ أم ما القصة في ذلك؟ قيل له: لم تُنسخ فتُرفع، ولا ضيَّعتها الأمَّة وهي مأمورة بحفظها، ولكن الأمَّة أُمرت بحفظ القرآن، وخُيِّرت في قراءته وحفظه بأيِّ تلك الأحرف السبعة شاءت» (11).

هذا الكلام ـــ من الإمام الكبير الطبري ـــ كلامٌ عجيب، إن لم يكن متناقضًا، فالله أعلم بمراد هذا الإمام بقوله؛ إلاَّ أن نتصوًّر أنَّ الحروفَ ألوانٌ يُصبغ بها القرآن فاقتصر على لونٍ واحدٍ، أو أنغام يُقرأ بها فاقتصر على نغمٍ واحد.

أحسبني وأنا أقرأ كلام هذا الإمام ـــ وأنا مقرُّ له بالأفضلية ــــ على مثل حال والدٍ أُمِّي سمع ولده يقرأ «فخرَّ عليهم السقف من تحتهم»، فقال: يا بني أمَّا القراءة فلستُ بقارئ غير أنَّ السقف لا يخرُّ من تحت …

9 - ذكر الإمام ابن الجزري عن الإمام الطبري أنَّ ما اختلف فيه القراء لا يخرجون فيه عن خطِّ المصحف الذي كُتب على حرف واحدٍ، وقال تعليقًا على هذا: «قلتُ المصحف كُتب على حرفٍ واحدٍ ولكونه جُرد عن النَّقط والشكل احتمل أكثر من حرف، إذ لم يترك الصحابة إدغامًا ولا إمالة ولا تسهيلاً ولا نقلاً ولا نحو ذلك ممَّا هو من الأحرف الستة … » (12).

فالإمام ابن الجزري كاد أن يذهب إلى الرأي القائل ببقاء جميع الأحرف، ولكنه حام ولم يقع.

فلماذا لا يكون تجريد المصاحف من الشكل والنقط وسيلةً لجمع كافة الحروف السبعة في المصحف الإمام؛ إلا ما كان من الاختلاف في إثبات بعض الكلمات أو حذفها، أو إبدال بعض الحروف بعضها ببعض؛ مثل القراءة بحذف «من» من قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الاَنْهَارُ﴾ (التوبة/100) في قراءة وإثباتها في أخرى، ومثل القراءة بالفاء بدل الواو في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ (الشمس/15).

10 - إنَّ قراءة القرآن على سبعة أحرف تيسير على الناس ورحمة لهم؛ فإذا احتاج العرب الذين نزل القرآن بلغتهم إلى التيسير لاختلاف اللهجات، فكيف بمن وراءهم من الأمم غير العربية من العصر الإسلامي الأول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؟

أم يُقال إنَّ الأحرف السبعة كانت رحمة في حدِّ ذاتها لكن لمَّا اختلف الناس في قراءة القرآن أصبحت نقمة عليهم؟ كلاَّ! ليس العلاج في ترك الاختلاف كما أرشد إليه رسول الرحمة أصحابه حين اختلفوا واحتكموا إليه.

11 - القرآن كلام الله تعالى المُعجز فكيف يتسنَّى للناس مجتمعين أو متفرِّقين أن يحذفوا شيئًا من القرآن، أو يتصرَّفوا فيه مع الحفاظ على إعجازه وبلاغته، ولا أتصوَّر حذف بعض الحروف من

٩ / ١٩٧