مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١٠٠

(?).

5 ـ ذهنُه المتفتِّح وشغفُه بالمطالعة:

على الرغم من مشاغله الكثيرة، ومسؤولياته المتعدِّدة ولا سيما في إطار الحياة الدينيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة، فقد عُرف الشيخ عدُّون طوال حياته الطويلة محبًّا للقراءة، شغوفًا بكلِّ جديد في الفكر والثقافة، متابعًا لكلِّ ما يجدُّ في ميدان الطباعة من كُتُب ودوريات ومجلاَّت؛ لا يُرى إلاَّ مصاحبًا لكتاب أو مجلَّة أو جريدة. كان يضع ـ كلَّما سمح له وقتُه بذلك ـ للمطالعة برنامجا يوميًّا دقيقًا، ما انفكَّ يحافظ عليه حتَّى في أيَّام مرضه، ولم يغيِّره في كلِّ حالاته وظروفه، سواء أكان مُقيمًا أم مسافرًا، وقد تجلَّى ذلك في مكتبته الضخمة التي جلب إليها الكتب الكثيرة من مختلف البلاد العربيَّة، والقارئ لرسائله يلمس هذا الشغف بالجديد في الفكر من إلحاحه الدائم على أستاذه أبي اليقظان بأن يرسل إليه ما يسميه في رسائله «تحائف الشرق»؛ فقد كان شديد الحرص على قراءة: «الرسالة»، و «الفتح»، و «الشباب»، و «المنار»، و «العلم»، و «كلُّ شيء» و «الدنيا»، وغيرها من المجلاَّت المشرقيَّة، فكان كثيرًا ما طلب بإلحاح من أستاذه أبي اليقظان أن يوافيه بها، حريصًا على اقتناء كلِّ أعدادها، فكان يتأسَّف أسفا شديدًا إذا ما انقطع أحد أعدادها عنه، أو تخلَّف عنه بانقطاع البريد الأسبوعي لسبب أو لآخر.

« … إنَّني بقيتُ وحيدًا محتاجًا إلى المؤانسة، وإلى من يطرفني بالأشياء، ويشاركني في السرَّاء والضرَّاء، محتاجًا إلى ما عندَكُم من تحائف الشرق، غير «الرسالة» أو «كلُّ شيء»، فلا تظن أنَّنا نستغني عنها ونزهد فيها، فإنَّ رغبتنا منها هي هي، ولا يأتينا من تونس غير تينك المجلَّتين بالفلوس العزيز … إنَّنا نترقًّب بريد اليوم بفارغ صبر، مساكين نحن مساكين، ومن أولى منَّا بالعطف والرثاء؟». رسالة مؤرَّخة بـ 25 شوَّال 1354 هـ جانفي 1936.

ومن رسالة أخرى وجَّهها إلى أستاذه أبي اليقظان وهو في بسكرة قادما إلى القرارة « … نرجو لك رحلة مباركة موفورة النتائج، ميسَّرة الأسباب، فاملأ وطابك منها فنحن في عزلة تامَّة عن العلم، وجدُّ متعطِّشين إلى ما ينقع غلتنا، وإن عثرتَ في طريقك على بعض تحائف من مجلاَّت مصوَّرة وغيرها فلا تضنَّ بها عنَّا». (15 مارس 1940).

وتَفتُّح ذهن الشيخ عدُّون لا يقف به عند حدود الاطلاع على مجريات الأحداث من حوله أكانت أحداثا محليَّة في إطار الوادي وفي الإطار القطري، بل كان يهتمُّ اهتمامًا شديدًا بمجريات الأحداث في العالم الإسلامي والعربي من منطلق الغيرة على هذا الوطن الواسع الذي كان يعاني منه الاستعمار الغربي، فكان يمدُّ ببصره إلى ما يجري فيه ويحرص على مشاركة إخوانه هناك.

من رسالة مؤرَّخة بـ: 20 رجب 1350 يقول:

«قرأنا فصلكم في النور، وقبل ذلك قرأتُ فصل شكيب في الجامعة، فاستغربتُ كثيرًا من هذا

١٠٠ / ١٩٧