من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ١٠٢« … لقد شنَّفتَ أسماعَنَا وأطربتنا بذلك النشيد البديع، معنى ومبنى ولحنًا، فجاء كاملاً من كلِّ جهة، فلا غروَ فقد صاغته قريحة ممتلئة شعورًا فياضةً غيرةً وإحساسًا، فذابت فيه نفسه ذوبانًا، وامتزجت بحروفه امتزاجًا، ولقد وصل من نفوسنا ومجالسنا ومحافلنا محلاًّ لائقا بمكانته السامية، فلا زالت نبعًا فيَّاضًا للإحساس الوطني، ولا زالت ماءً زلالاً تسقي النفوسً القاحلةَ من هذا الإحساس، وتُفعِمُ القلوبَ الناضبةَ من ماء الغيرة … ».
وذائقته الأدبيَّة الرفيعة لا تقف به عند حدود الإعجاب الذي قد يكون وليد احترام وتقدير لأستاذه، بل يأتي من خلال قراءة أدبيَّة متعمِّقة، وتذوق لمكامن القوَّة في القصيدة أو المقال فكرةً وأسلوبًا؛ وذلك ما نلحظه في رسالة بعث بها إلى شيخه أبي اليقظان، مُبديًا رأيه حول قصيدة كان الشيخ أبي اليقظان قد شارك بها في مهرجان جمعية العلماء المسلمين بمناسبة تبرئة الشيخ الطيِّب العقبي ممَّا اتُّهم به من أعدائه (17). ولم يمنعه إعجابُه وتقديرُه لأستاذه الشاعر أن يُبدي رأيه في القصيدة، وقد لاحظ ضعف شاعريَّتها، ولكن بأسلوب مهذَّب راقٍ، يقول:
« … جاء جوابُكم للأستاذ (الشيخ بيُّوض) وبطِّيه القصيدة، وصادف وجود الأخ عبد الرحمن (بكلي) هنا، وقرأناهما معًا، وقرأنا القصيدة إذ ذاك قراءة عجلى، ثمَّ أعدنا قراءتها في جمعيتنا نحن بإمعان ونظر فأعجبنا بوقعها الجميل في النفوس، وبإصابتها المحز، وإلمامها بالموضوع، وإحاطتها بكلِّ ما يقتضيه المقام إحاطة حكيمة، حازمة، أبيَّة، غير أنَّ روح الشاعريَّة فيها ضعيفة، على خلاف ما نعهد في شاعريَّة أبي اليقظان، فهل تراكمت عليها أصداء الإهمال وعدم التعهُّد بالجلاء والصقل؟
إن كان كذلك فيجب صقلها بين آن وآخر ببعض الروائع حتَّى تظهر أشدَّ مضاءً ونصاعةً، ولقد أحسنتَ الإحسانَ كلَّه، ورفعت رأس الأمَّة عاليًا أمام الأمَّة الجزائريَّة باهتدائك إلى صوغها وإلقائها في ذلك المحفل الحاشد الرهيب، ففضلُك العظيم علينا لا يُقدَّر، ولا يقابل الوفاء، فبارك الله فيك وفي مواهبك الجليلة … ».
وقد كان حريصًا على أن يُبدي رأيه في كلِّ ما ينشر بجرائد الشيخ أبي اليقظان من قصائد ومقالات؛ فإذا لاحظ ما يستحقُّ التنويه والإشادة نوَّه وأشاد، وإذا لاحظ فسادًا في المعنى أو ركاكة في الأسلوب انتقد بكلِّ صراحة ونزاهة، يقول معلِّقا على قصيدة لحمُّو بن محمَّد (النوري) منوِّها بشاعرية صاحبها، متفرِّسا فيه، شاعرًا موفقًا إن واصل درب التعليم والكتابة ولم ينقطع عن مسيرته العلميَّة، فِعْلَ الكثير من أبناء الوادي، الذين سرعان ما تلتهمهم الحياة الماديَّة فتبعدهم عن الميدان الأدبي والعلمي، يقول:
« … أعجبتني قصيدة حمُّو بن محمَّد التي تفيضُ شعورًا (18)، وتنبُّئ عن شاعرية أصيلة، فبارك الله في أنفاس ناظمها، فليت شعري كيف يكون مستقبلُ هذا الشاعر الفتيِّ الذي يُرفرف النبوغُ على رأسه؟ فهل يستمرُّ في الورود من منهل العلم فيتوَّج به، أم يكون نصيبه نصيب من تقدِّمه ممَّن