مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١٠٣

اقتُطِفَ فجًّا، فما انتفع ولا نفع؟!».

وبقدر ما كان يُبديه من إعجاب بالنبغاء من التلامذة، كان لا يثنيه مقامُه من أستاذه أن يبدي رأيه فيما تنشره جرائده من نقد صريح، وقد يكون لاذعًا قاسيًا أحيانا إذا كان يمسُّ اللغة العربيَّة الفصحى، أو يَزري بمقام الجريدة، وذلك ما نقرأه في إحدى رسائله إلى أستاذه حيث يقول:

« … قد تظهر بعض المقالات تزري بمقام الجريدة كمقالة [فلان] … ركيكة الأسلوب فاسدة التراكيب، والمعاني والجمل والمفردات، فهذه إمَّا أن تُنقَّح وتُحوِّر، وإمَّا أن تُلقى في سلَّة المهملات، فالجريدة أرفعُ أن يتَّسع صدرُها لمثلها … » (19).

ويقول من رسالة أخرى في الاتِّجاه نفسه:

« … وأستحسن أن تعتنوا بتصحيح كتابة (معروف) (20)، فقد وردت في المقال السابق كلمات عاميَّة، وتعابير ركيكة، تترفَّع عنها الجريدة».

رسالة بـ 5 جوليت 1937.

وحرصه على المستوى الرفيع للجريدة هو الذي يجعله يؤكِّد ويلحُّ دومًا على أستاذه بأن يصحِّح له مقالاته بعد أن يكون قد عرضها على شيخه بيُّوض، كما أشرنا إلى ذلك سابقا.

7 ـ روح الدعابة والتفكُّه:

على الرغم من التقدير العظيم الذي كان يحمله الشيخ عدُّون لأستاذه أبي اليقظان، فإنَّ هذا لم يكن يمنعه أن يخرج عن إطار المتزمِّت الوقور إلى إطارٍ من الدعابة الحيِيَّة المحتشمة التي تدخل في إطار الظرف والتفكُّه الذي طالما عرفت به مجالس المشايخ، ولا سيما إذا كانت الجلسة حميميَّة بين الأصدقاء، أو حتَّى بين الأستاذ وطلاَّبه، ولا سيما لدى الطبقات الدراسيَّة العليا. وقد عُرف الشيخ عدُّون في الأوساط الأدبيَّة والثقافيَّة بحبُّ النكت الظريفة، يَطرب لها ويتفاعل معها، ويهوى سماعَها، وأحسب أنَّ ذلك ما يستوجبه الودُّ الصافي، والمحبَّة التي تكون بين الأب وبنيه في نوع من الإمحاض والتظرُّف الذي يروِّح عن النفس حتَّى لا تكلَّ ولا تمل، أكان ذلك في مجالس الدراسة أو من خلال المخاطبات الكتابيَّة.

وقد يكون محلُّ الدعابة والتفكُّه شخصًا أو صديقًا عُرف لدى الجماعة بروحه المرحة المتبسِّطة؛ مثل السيِّد «تعموت عيسى» رفيق الشيخ أبي اليقظان وصديقه الحميم في مسيرته الصحفيَّة. ومن ثمَّ تجد أخبار السيِّد تعموت عيسى وأخبار لقمان الحكيم وغيرهما من إخوان الصفاء ترِد من حين لآخر في هذه الرسائل. ولنأخذ لهذا مثلا ما جاء في إحدى رسائل الشيخ عدُّون إلى أستاذه حيث يقول:

« … أمَّا الأخ تعموت الذي يريد أن يُقَرْقِشَ إلينا بدعوى الاستحمام في الرمل، فإنَّ الرمال هذه السنة باردة جدًّا لا تصلح للاستحمام على قلَّتها بحيث لا يمكن الاستحمام بها، فإنَّ الرياح والزعازع المتوالية في هذه السنة جوفيَّة، وألقت الرمال كلَّها في (تقرت) (ووادي سوف)، فاقترح

١٠٣ / ١٩٧