مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١٠٥

« … وألقى عليهم الأستاذ درسًا في الاتِّحاد ووجوب الترابط، وإزاحة كلِّ حاجز يؤثِّر في هذه الوحدة، ومن ذلك وجوب مراعاة ميزاب حوزةً واحدة، والأخذ بقول من يراها وطنًا واحدًا يجب فيه إتمام الصلاة، وبَسَطَ الموضوعَ بسطًا وافيا شارحا كلَّ إشكال، وناعيا على الذين أثاروا الضوضاء من جرَّاء هذه المسألة حسَدًا من عند أنفسهم، فاقتنع القومُ أيما اقتناع بوجهة نظره، آخذين بقوله، عازمين على تطبيقه، وطلبوا منه بعد ذلك إلقاء بعض الدروس في الجامع بين صلاتي الظهرين والعشائين، وشرع في التنفيذ منذ أوَّل يوم شارحا حديث «بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ»، وكانت الأربعة الدروس الأولى في الركن الأوَّل في التوحيد، وما يؤثِّر فيه من زيغ في العقيدة من دعاء الأموات، وإشراك غير الله في العبادة وبِدع المقابر، وكان الدرس الأخير في مسألة القراءة على الأموات، فكان قريبا من درس ليلة عاشوراء [بالقرارة] والقوم يُصغون إليه في جميع دروسه بكلِّ نَهَم وشغف، ويتلقَّونه بالإذعان والقبول، فكان لها وقعٌ عظيم في نفوسهم … فكأنَّهم فتحوا فتحًا جديدًا، أو خرجوا إلى عالم جديد لا عهد لهم به … » (25).

ومن رسالة أخرى يتناول بالأسلوب نفسه هذه الرحلة التي كان من جرَّائها تطوُّرات خطيرة أخذت بعدًا سياسيًّا واجتماعيًّا خطيرًا، دفعت بالسلطة الفرنسيَّة الحاكمة إلى استدعاء الشيخ بيُّوض إلى غرداية، واستجوابه، والتضييق عليه، وأمره بالعودة إلى القرارة في أوَّل سيَّارة، بدعوى أنَّه مشوِّش يثير القلاقل والنزاعات:

« … تعَّرض الأستاذ في دروسه الأولى في تصحيح العقائد إلى ما يعتقده العامَّة في الأولياء من النفع والضرِّ، وإلى تمسُّحهم بالقباب والتقرُّب بها، والذبح لغير الله، إلى غير ذلك ممَّا يؤثِّر في العقيدة، وأنكر على من يبني القباب ومن يُجصِّصها مستقبلاً، وما أكثر ذلك في بريَّان، وغضَّ النظر عمَّا هو موجود منها، وعن بانيها قائلا: تلك أمَّة قد خلت. كما أنكر ما يجعلونه على القبور من حزمات الجريد، والشِّنن البالية والقرع والحجارة الأمر الذي صيَّر المقبرة مزبلة … وبعد يومين من ذلك أصبحت بضع قباب مهدَّمة، فثارت العامَّة أو قُل الرأي العام وهاجت الجماعتان [العزَّابة، والضمَّان] وماجتا، وذهبتا إلى القائد ترعدان وتبرقان، وتطالبان باستعمال كلِّ وسيلة في إظهار هؤلاء المجرمين الظالمين الذين فعلوا هذا بآلهتهم … » (26).

ونقرأ في الاتِّجاه نفسه وبالأسلوب عينه رسالة أخرى يصف فيها تأثير درس عاشوراء على الرأي العام القراري وفحواه ومغزاه، وما كان له من أثر في نفوس الحاضرين بالمسجد وغير الحاضرين، في موضوع له مساس بالعقيدة وهو: «القراءة بالأجرة على الأموات»:

« … درسُ عاشوراء له صدى كبير، ووقع عظيم في النفوس، وإنَّه وجد رؤوسا متعطِّشة إلى ارتواء الحقيقة فأرواها، ونقع غُلَّتها، فكان إرشادًا من حيرة، وهدى من ضلال، أزال كلَّ شكٍّ وأوضح كلَّ شبهة، وجاءت الحجَّة تتبختر اتٍّضاحا، أوضح لهم منشأ المسألة ودرس (الشريف)

١٠٥ / ١٩٧