من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ١٠٦(27)، وكيف استثمره دعاة الفتنة لبذر الشقاق، وأن لا رائحة للبراءة المشاعة (?)، هذا كلُّه بعد أن سرد أدلَّة لا تقبل النقض في إبطال القراءة بالأجرة من الحديث وكتب الشيخ اطفيَّش، والشيخ السالمي، وشرَحَها شرحًا شافيًا، وقد فهمها جميع الناس فهما جيِّدا، إلاَّ من طمس الله على بصيرته ممَّن في قلوبهم مرض من الكاديشونيين (28) ومن لفَّ لفَّهم من بعض قدماء التلاميذ، الذين يخافون انقطاع (خُبْزتهم) من هذا المورد، وهم في أقليَّة بحيث لا يُسمع لهم همس … » (29).
9 ـ التفصيل والشمول:
حرص الشيخ عدُّون على أن ينقل لمراسله وأستاذه الصورة بكلِّ جزئياتها وتفاصيلها، وكأنَّه يراها مجسَّدة بعينه، يجعله يتناول تفاصيل الشيء وأبعاده بكلِّ صغيرة وكبيرة فيه حتَّى أنَّ القارئ يتساءل أحيانا، وما الذي يضيره لو أنَّه غفل عن هذه الجزئيات؟ ولعلَّ جواب ذلك نتلمسه من خلال أنفسنا عندما تكون في غُربة، وتأتينا رسالة من الأهل فإنَّ الواحد منَّا ليتمنَّى أن لا تنتهي الرسالة من ذكر التفاصيل والجزئيات، ولا سيما إذا كان موضوع الوصف أو الحدث أمرًا يتعلَّق بمن تحبُّ من الأهل، والولد، والوطن، والصديق.
من هنا نفهم حرص الشيخ عدُّون على تناول الأشياء بمثل هذا الأسلوب. وبما أنَّ الأمثلة كثيرة فإنِّي أكتفي بمثالين أو ثلاثة.
المثال الأوَّل:
يستعرض فيه الشيخ عدُّون حملة وادي زقرير إلى القرارة بعد أن مرَّت على القرارة سنوات من القحط القاسي المميت، حتَّى إنَّ الناس بلغ بهم اليأس مبلغًا عظيما (30). وبقدر ما كان جزعُ الناس من القحط أليما بقدر ما كان فرحهم بالخصب وزيارة وادي زقرير عظيمًا، وهو ما يفسِّر اهتمام الشيخ عدُّون بذكر التفاصيل حيث يقول:
« … شرع الناس في قطع التمر وكادوا ينتهون. الماء لا يزال على حاله في الغابة لم يظهر من المصارف في (النوادر) غير نحو بوصتين أو ثلاث. الماء في دكاكين الناحية الغربيَّة يصل إلى نحو الإبط وأقل وأكثر. لا تزال الناس منهمكة في الحرث داخلا وفي الصحراء. جاء واد ثالث منذ نحو عشرة أيَّام فزاد في الغابة نحو 15 سنتيما وإلى الآن لم ينزل إلى الحد الذي وصل إليه القديم، وسيضطرُّون إلى إخراجه من الغابة وإلاَّ وخمت، ولكن ما الحيلة و"الشيحيَّة" الخارجيَّة لا تزال على حالها، ولم تنزل عن مستوى الغابة إلاَّ بشيء قليل. كثرت هذه الأيَّام الأرياح والزوابع ولم تُحدِث أيَّ ضرر يذكر … » (31).
المثال الثاني:
يتناول فيه الشيخ عدُّون الحالة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والأمنية أثناء الحرب العالميَّة الأولى إذ يركِّز على الجانب الاقتصادي والمعيشي اليومي في القرارة حيث يقول: