من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ١٠٧« … الأحوال عندنا هادئة مطمئنة، ليس عندنا ما يكدِّر، ولم يكن أثر للحرب عندنا إلاَّ ستَّة عشر جنديًّا جاؤوا أخيرًا للاحتياط وهم مرابطون في دار (البايليك)، وإلا نقصان بعض المواد وفقدانها كالسكَّر، وما سوى ذلك فالحالة قبل الحرب هي هي اليوم، والذي زاد القلوب اطمئنانًا وسكونًا توارُد القوافل يوميًّا تحمل عشرات القناطير زرعًا، ويدخل غالبا في السوق ما لا يقلُّ عن 100 قنطار قمحًا وشعيرًا، ولا يبقى في العشيَّة منه شيء، ويُحجَر على من يشتري للخارج. سعرُ الشعير من 9 إلى 11 (للقلبة) والقمح من 29 إلى 33، ولولا أن فتح الله علينا بهذه القوافل التي لم تُعهد منذ عشرات السنين لكنَّا في ضائقة شديدة لا يعلمها إلاَّ الله، نظرًا لانسداد أبواب التل، وضغط (التاكسي). والحمد لله على نعمه … » (32).
المثال الثالث:
ويتناول فيه عرضًا دقيقا مفصَّلا عن دروس رمضان في المسجد بصفة عامَّة، ويركِّز على درس ليلة العيد ويومه وأمسيته. وإذا كان في المثالين الأوَّلين يعتمد على ما تلتقطه العينان، فإنَّه في هذا المثال الأخير يعتمد على ما تلتقطه الأذنان ويستوعبه الفكر والجِنَان، حيث يُلخِّص درس الشيخ بيُّوض في هذه المناسبة الدينيَّة العظيمة قائلا:
مضى رمضانُ على أحسن ما يرام من دروس المسجد في تفسير «عبدُه» من «عمَّ» إلى «الغاشية» مع خلعه الثغرات في كثير من الأحيان إلى الميدان الذي يبدع الجولان فيه، إلى أن كان اليوم الأخير، فكان ممتازًا بوعظه الممتاز من بارحته إلى مسائه، فمن درس بديع ليلة العيد في تزكية النفس في قوله تعالى: ﴿قَدْ اَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ فأظهر نتن النفوس الدنسة وأطال في الموضوع. ودرس آخر بعد ختمة السحر من صبيحة العيد في عمارة المسجد، وفي الطلبة الذين لا يعرفون المسجد إلاَّ في رمضان، وفي عدم محافظتهم على القرآن قولاً وعملاً. ودرس في تفسير سورة «الغاشية» وتسرب منه إلى من يهجر المسجد حتَّى في يوم العيد، ويأنفون من غشيانه، والوقوف جنبا إلى جنب مع عمَّاره، فهم يسعون إلى مجالسة الفسَّاق والسكِّيرين والقمَّارين، بتزلُّف الحكَّام إلى رؤسائهم، وبتجنب المسجد وكلِّ ما يتَّصل بالدِّين، وهم يعلمون أنَّ حكَّامهم أنفسهم يُكبِرون الأماكن المقدَّسة ويتباهون بعمارتها الخ الخ … فكان الدرس قاسيًا على حكَّامنا المساكين، ودرس عشيَّة العيد في وجوب المشاركة في الأعمال الوطنية بكلِّ الوسائل. وفي الليل سهرة ممتعة في دهليز الأستاذ حضر فيها كلُّ من تتمنَّى أن يحضرها سواك … عوَّض الله لك بخير منها في القريب، وبالمجالس الدائمة في دار الخلد … » (33).
وبالأسلوب نفسه نقرأ له عدَّة رسائل في موضوعات ذات طابع سياسي، ولا سيما تلك التي تتناول الصراع المرير بين الإصلاحيين والسلطات المحلِّية الموالية للاستعمار من قيَّاد، وقضاة، وموظَّفين وغيرهم (34).
10 ـ المشاعر والمطالب: