مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

بحكم العلاقة الحميمة التي ربطت بين الشيخين أبي اليقظان وعدُّون فإنَّ رسائلهما المتبادلة لتُلمَسُ فيها هذه المودَّة العميقة بينهما، وإنَّها لترقى إلى أخوَّة أصيلة، وصداقة مستديمة، لم تشملهما وحدهما بل تطوَّرت إلى أن تصبح علاقة أسريَّة ومحبَّة عائليَّة. ومن ثمَّ نلاحظ كيف أنَّ الحواجز (البرتكوليَّة) ـ التي قد تكون أحيانا بين التلميذ وأستاذه، أو الشيخ ومريديهـ لم يعد لها وجود في هذه الرسائل إطلاقا، على أنَّ مسحة الاحترام والتقدير بين الرجلين ظلَّت تغطِّي هذه العلاقة، وتضفي عليها هالات من الوقار والجلال.

وأحسب أنَّ العمل الإصلاحي، والميدان الصحفي، والمجال التعليمي والأدبي كان له دور أساسي في هذه الرابطة المتينة التي دامت بين الشيخين إلى أن فرَّق بينهما الموت.

والذي يتتبَّع هذه الرسائل، ولا سيما المرسلة من الشيخ عدُّون إلى الشيخ أبي اليقظان، يشعر بهذا الدفء الحميم الذي يربط بينهما، يتجلَّى ذلك واضحا في المشاعر الفيَّاضة التي يحملها الشيخ عدُّون لأستاذه؛ وفي النموذج الذي سننشره ملحقًا بهذا البحث غُنية وغَناء لمن أراد الوقوف على أمثلة واقعيَّة.

ومن أمثلة التعاون الثقافي بينهما ما جاء في رسالة مؤرَّخة بـ: 13 محرَّم 1359 الموافق 23 فيفري 1940م حيث يقول:

«بلغني كتابكم الكريم وبطيِّه مقالة (للشباب) (35) الممتاز، فكنتم أوَّل من لبَّى دعوتنا، وخير من وفَّى، فالشباب يشكركم هذه المرَّة، ويُكبر اهتمامكم به ورعايتكم له، ويسجِّل هذا الشكر على صفحاته، فحيَّاك الله وبيَّاك من أب رحيم، وأستاذ مخلص ومرشد نصوح. أمَّا الموضوع فهو «الحلقة المفقودة» في المواضيع؛ وكيف لا يكون كذلك ومُبتكرُه، والمعالج له هو من درس أطوار الشباب، وسبر غوره، وخبر مكامن الضعف فيه؛ حقَّق الله آمالكم فيه، ووفَّقه للعمل بإرشاداتكم وآرائكم الأصيلة».

وقد اتَّسعت دائرة المحبَّة بين الرجلين لتشمل أسرتيهما كم أشرتُ؛ فإذا حدث ما يستوجب التهنئة أو التعزية (36) أو المساعدة لم يبخل أحدهما على الآخر بذلك، وقد لمستُ في هذه الرسائل ذلك التعاطف والاهتمام. ولأضرب لذلك مثلا؛ فقد حدث يومًا ما عكَّر صفو الشيخ أبي اليقظان من تصرُّف قام به ابنه عيسى في حدود المطبعة العربيَّة، وسافر إلى القرارة، وترك عمله في المطبعة مُغضبًا، فما كان من الشيخ عدُّون والشيخ بيُّوض ولقمان إلاَّ أن سارعوا إلى رأب الصدع، والإصلاح بين الوالد وولده، ودلَّت رسالتان من الشيخ عدُّون على اهتمامه الكبير، اهتمامٌ يُشعرك أنَّ المسألة تهمُّه شخصيًّا.

وعندما رُزق الشيخ عدُّون بولده «محمَّد» أخبر شيخَه وبشَّره بطلعة الولد الذي ولد في ربيع الأنوار «في غرَّة الشهر الميمون بزغ في سماء جلالتي مولودٌ ميمونٌ سمَّيته محمَّدًا، وأرجو من المولى تعالى أن يوفِّقه لانتهاج منهج سميِّه، وأن يجعله قائدًا لجيش العاملين المجاهدين في سبيل إعلاء كلمة

١٠٨ / ١٩٧