من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ١٠٩الله … » (37).
وما كان من الشيخ أبي اليقظان إلاَّ أن سارع بإرسال هديَّة إلى صديقه بهذه المناسبة. وكان الردُّ جميلاً رائعًا لا يدلُّ على الصداقة الوفيَّة وحسب، بل على فراسة الشيخ عدُّون في ولده وفلذة كبده، وكيف ربط بين الهديَّة والمُهدِي والمُهدَى إليه بأسلوب أخَّاذ وعبارات مؤثِّرة حيث يقول:
« … كانت هذه الكسوةُ طالعَ سعدِهِ، وشارةَ مجدِه، ودليلَ يُمنِه، فافخَرْ بها من حظوة حظِيَ بها في مستهلِّ حياته، وأكرِم بها من كرامة واتته منذ حداثته، فسيعرف لها ـ إذا مدَّ الله في عمرهـ شأنها وخطرها ويقدِّرها حقَّ قدرها، وسيعرف قيمةَ نفسه ومقامها الممتاز، ويتحقَّق أنَّه محلُّ رجاء وأمل عظيمين إذا عقل وعلم أنَّ أبا اليقظان في جلاله وشرفه وزعامته ومركزه الأسمى من الأمَّة راعى له ذلك، واعتبره وشرَّفه بهذه الكرامة، برهانا على هذا الاعتبار، فبارك الله فيك، وفي إحسانك وإخلاصك، وحقَّق آمالك، وأمدَّ في عمرك حتَّى ترى آمالك في هذا الكوكب البازغ محقَّقة بأقصى حدودها، وأوسع أطرافها … » (38).
أمَّا ما نعنيه بالمطالب فهي هذه الحاجات الضروريَّة التي تمثِّل تعاونا وثيقًا بين الرجلين في ميدان التعليم والصحافة بصفة خاصة (?)، فقد كان الشيخ أبو اليقظان بحكم وجوده في تلك الفترة بالعاصمة محطَّ قضاء حاجات المدرسة، والجمعية، والتلاميذ، وكانت المكتبة، ثمَّ المطبعة محطَّ ركاب الشيوخ والأساتذة.
ولكي نتصوَّر معاناة هؤلاء المشايخ إبَّان الأزمة الاقتصاديَّة، واشتداد خناق الحاجة أمامهم، يذكر الشيخ عدُّون في إحدى رسائله أنَّ الأزمة آخذة بالخناق إلى حدِّ (الزَّلْط) وأنَّ (التانبر) [هكذا] الذي أرسل به الجواب إنَّما أخذتُه سَلَفًا من أحد الإخوان!؟ (39).
يقول من رسالة في هذا الصدد:
« … أين مطالبنا فقد مسَّت الحاجة إليها، فالمدرسة في أزمة شديدة من جرَّاء الأضواء، فقد كادت تنشف أعين الأولاد من رداءتها، وكدنا نعطِّل الدروس من أجل ذلك، ليكن كلُّ ضوء مصحوبًا ببلارة أخرى للاحتياط، فقد تكسَّرت لنا واحدة فلم نجدها هنا ولا في غرداية، فتعطَّل الضوء، وكذلك بعض المنشورات، لا تنسى اليوميات وبقيَّة المطالب … » (40).
« … إليكم وصولات الجزائر نرجو من الأخ تعموت أن يتجوَّل بها لقبضها من أصحابها … وقد انعقد المجلس الإداري ورجا منه أن يقوم بالمهمَّة أحسن قيام، وفي أسرع وقت، فلا يخيب رجاءه، وليبادر بالقبض من اليوم فإنَّ الكيس أفرغ من فؤاد أمِّ موسى .. فأنجدونا من عندكم فقد قدَّمنا طلبا لنحو عشرين طاولة للمدرسة وليس عندنا شيء نسدُّ به الطلب، والنجَّار يطالبنا أن نسبِّق له شيئًا، وسنضطرُّ لتأخير قسم في المدرسة حتَّى تتهيَّأ (الطوابل) وهذه لا تأتي بغير (قَدُّور) فالرجاء الإسراع … » (41).