مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١١٠

النموذ ج (1):

نموذج من رسائل الشيخ عدُّون إلى أستاذه الشيخ أبي اليقظان

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد.

القرارة 15 صفر 1352هـ = [أوت 1933م].

أستاذي العزيز، المجاهد ا لكبير، العلاَّمة الشيخ أبي اليقظان أيَّده الله ورعاه؛ السلام عليكم ورحمة الله.

سيدي استلمت مكتوبك الكريم، فإذا هو نفثةُ مصدورٍ، فرأيتُ فيه موقفَك أزاء الأمَّة وموقف الأمَّة أزاءك، وإن كنتُ لأجهله من قبل، رأيتُ ما تُعانيه من أتعاب تشقُّ المرائر، وما تقاسيه من همٍّ ناصب في ليل بطيء الكواكب، من جرَّاء أمَّة نبهتك فنامت ملء جفونها، غير حاسبة لسهرك عليها حسابًا. وليس

-سيدي- هذا ببدع من أمَّة لا تزال حاسَّةُ الشعور فيها بالواجب ضعيفة أو مفقودة منها بالمرَّة، كما أنه ليس ببدع أن تبقى إلى اليوم ضعيفةً أو مفقودة إذ أننا حديثو عهدٍ بهذا النوع من الحياة، وأوَّلُ نافخ في بوقها هو أبو اليقظان بقلمه ولسانه، وبضعُ سنيه التي قضاها في هذه الدعوة - بقطع النظر عن مجهوداته السابقة إذ هي من نوع آخر- غير كافية لتنمية حاسَّة الشعور فيها إلى الحدِّ المطلوب، وإنَّ الحياة دبَّت في أُمم الشرق اليوم قد نفخ روحها جمال الدين الأفغاني منذ أكثر من نصف قرن؛ فأنت ترى أثر نمو هذه الروح بعد هذه المدَّة الطويلة، وهل الأمَّة الميزابية إلاَّ تلميذة في السنة الابتدائية، أستاذُها (وادي ميزاب) وخلائفُه؛ فكيف تريد منَّا بعد مضيِّ بضع سنين أن نشعر شعورَ من تتلمذ نصف قرن في مختلف المدارس، وأن نقوم بما يقوم به من واجبات، أو نقاربه أو نناصفه، فإذا وجدتَ من هذه الأمَّة بعد هذه المدَّة القصيرة من يعرف ما هي الجريدة - بقطع النظر عن العاملين المخلصين - ويقرأها ويقول لك: أحسنتَ، بارك الله فيك (42) .. فأبشر بالنجاح وناهيك من ربح.

إنَّ أبا اليقظان في أمَّة -تداركها الله - كصالحٍ في ثمود، فلا توحشنَّه غربتُه، فهي شعار النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وطوبى للغرباء.

إنَّ أبا اليقظان خُلق جنديًّا، وحييَ، وسيحيا إلى ما شاء الله جنديًّا وسيموت جنديًّا، وسيبعث لا جنديًّا ولكن قائدًا يجرُّ وراءه جنوده من أمَّته حاملا ًراية الجهاد أمامهم.

تساءِلُ أبو اليقظان مع من؟ ولأجل من يعمل؟ نعم هذه الأمَّة النائمة الغافلة الناكرة للجميل المستهينة بعظمائها، فإنَّ مثل هذه الأمَّة في ضعفها وجهلها وغفلتها هي التي تحتاج إلى مثل أبي اليقظان في عمله وصبره وقوَّة إيمانه وجهاده وغرابته (وغربته)، لو لم تكن أنت إياك وهي إياها لاستغنَت عنكَ ولتَبَدَّل موقفا كُمَا، وإنَّ من يعلم أنه خُلق ليشقى لتسعَدَ أمَّته، ويُهَان لتعِزَّ، ويبأس

١١٠ / ١٩٧