الشيخ عبد الرحمن بكلي شاعر الإصلاح
الجزء ١ · صفحة ١٥٨فالدّمع كان سخينا، والبِشر صار أنينا، والشّعور بات دفينا، وروض الأخلاق أضحى ذابلا، بعدما كان نضيرا غضّا، والشّين عوّض ما كان من الأخلاق زينا، والغسلين اسْتُبْدِلَ بالماء الزّلال … وبالأحرى إنّ الحال تغيّرت، والأوضاع تبدّلت. قدّم الشّاعر كلّ ذلك بأسلوب التّشاؤم الممزوج بالحسرة والأسى والدّهشة. كما عمد إلى أسلوب المقابلة بين الأحوال. واعتمد وسيلة الثّنائية، التي تُعين على الكشف عن الحقائق. والتّكرار الذي يساعد على التّأكيد والتّركيز على ما يراد الإفصاح عنه. ثمّ يقول:
وَيْكَ مَا لِي كلَّما اجتَزتُ بَابًا.:. سَمِعَتْ أُذنِي البُكَا وَالرَّنِينَا
مَا أصَابَ " القَرَارَةَ " اليومَ رَبِّي.:. مَا دَهَاهَا؟ وَمَالَهُم وَاجِمِينَا؟
لا تَسَلْهَا فَقَد أُصيبَتْ بِرُزْءٍ.:. يَالَهَا نَكبَةً تَهُدُّ المتُونَا
إِنَّهَا فَقَدَتْ هُمَامًا كَرِيمًا.:. دَاعيًا لِلحَيَاةِ، دُنيًا وَدِينَا
فَقَدَت رَمزَ عِزِّهَا وَعُلاَهَا.:. وَعَزِيزَ مِيزَابَ وَالمصلِحِينَا! (7)
ثمّ يتوجّه بالخطاب إلى أسد القرارة، ويقول له: كيف تغيب عنّا؟ وكيف تبدّل بالهبوب والوثوب سكونا وهمودا؟ وكيف تتوارى عنّا وعن عرينك، وبلادُك يعيث فيها المفسدون، ووطنك يسومه الأعداء خسفا، ويحاولون له خطفا. أتختفي وقومك في حاجة إلى من ينفض عنهم غبار الكسل والرّكون؟ وإلى من يزيل عنهم أسباب الذّلّ والانهزام؟
في هذا الحديث والخطاب تعبير عن حالة العسر التي كانت تعيشها الأمّة، وإفصاح عن الوضعيّة العَصيبة التي كانَ يمرّ بها الشّعب، عبّرت عن ذلك الكلمات الآتيّة (مهينا، هونا، ذليلا، العذاب، الدّونا، انهزاما … ):
إِيهِ يَا «أسَدَ القرارة» مَهْلاً.:. كَيفَ تَعتَاضُ بِالوُثُوبِ سُكُونَا؟
أَينَ تَذهَبُ أيُّها «العُنقُ» الفَحْـ.:. ـلُ وَهَذِي البِلادُ تُبدِي حَنِينَا؟
أَتَصُدُّ عَن البِلادِ وَقَد عَا.:. ثَ بِهَا اللُّؤَمَاءُ والمفِسِدُونَا؟
وَأرَادُوا - وَمَا أرَادُوا رَشَادًا -.:. سَلْبَهَا حَقَّهَا العَزِيزَ الثَّمِينَا؟
وَأرَادُوا -وَمَا أَرَادُوا صَوَابًا -.:. أَن يَعِيشَ الفَتَى ذَلِيلاً مَهِينَا؟
مَا عَهِدنَاكَ سَاكِتًا عَن ضَلاَلٍ.:. أَوَتَرضَى لَنَا العَذَابَ الهُونَا؟
قَد عَهِدنَاكَ لا تُقِرُّ انهِزَامًا.:. مَالَكَ اليومَ تستَلِذُّ الرُّكُونَا؟
لاَ! وَحَقُّ الإِبَاءِ وَالفَضْلِ مَا كُنْـ.:. ـتَ مُقِرًّا - لولاَ المنُونَا - الدُّونَا؟ (8)
ثمّ ينتقل ليعدّد المناقب والخصال التي كان يتّصف بها الفقيد، منها إيواء الأيتام، وإغاثة المعوزين، والإنفاق في سبيل الله، وعدم اللّين للجور، وَإباء الرّضوخ للغير. بل كان حربا على الظّلم وريحا على الضّيم، مذيقا عبيد العصا عذابا مهينا، وكان شجًا في حناجر الظّالمين …
أيُّهَذَا الفَقِيدِ حُزتَ صِفَاتٍ.:. بَوَّأَتْكَ العُلاَ وَكُنتَ قَمِينَا