مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

معهد الحياة .. ثمانون عاما من العطاء

الجزء ١ · صفحة ١٨٦

قد يبدو لمن لا يستمطر الأخبار أنَّ إقامة هذا الحفل في مثل هذا اليوم كان أمرا عجيبًا، ولمن يجهل تاريخ ماضيه أن إقبال القوم إلى مثل هذا المقام بات شيئا غريبا، وقد يراه من لا يعي من قدر الله شيئا أنه كان من قبيل المصادفة لا أمرًا رتيبا، و يشتدُّ التساؤل إلحاحا، لِمَ اختير اليوم الثامن والعشرون 28 من شهر شوال ليحيي أساتذةُ وطلبةُ معهد الحياة فيه ذكرى مديرهم فضيلة الإمام الشيخ عدُّون رحمه الله؟ ولِمَ كان الجمعُ بين الذكرى الثانية والثمانين لتأسيس معهد الحياة، والاحتفال بمدير معهد الحياة؟ أوليس الأفضل أن يفصل بين الذكريين فتُخصَّ كل منهما باحتفال مستقل يخلد كلا المعلمين بما يليق به، وتشيد بما يجدر به؟

و لكن يا معشر الإخوة الألباء، ويا حظوة البنوة النجباء، هل يوجد فرق بين مؤسَّسة معهد الحياة ومديره الفذ الشيخ عدون؟ أوليس معهد الحياة هو الشيخ عدون والشيخ عدون هو معهد الحياة، ألم يرتسم هذا التزاوج في ذاكرة كل من انتسب يوما إلى هذا المعهد العتيد، وتعرف على هذا المدير الفريد، الذي تغلب على نفسه صفة الأبوة الحانية على سلوك الأستاذية الصارمة؟ أوليس الفصل بينهما كالفصلِ بين زوجين، والقطيعةِ بين حبيبين؟ والتفرقةِ بين شِقَّين؟ وإنه لعمري قد لا ندرك نحن الأحفاد، الذين لم نعش مرحلة شد الأوتاد، قداسة هذه الحقيقة، وروعة هذه الصلة الوثيقة، ولكن يدرك ذلك من كان يقف فارعا بالمرصاد، أو يشتد بارعا في الجهاد، أو يتابع البحث مستقصيًا في عناد.

فهذا الدكتور محمد صالح ناصر أحد أفذاذ خريجي معهد الحياة، وأخلصِ طلبة مدير معهد الحياة، يقول في الصفحة 6 من المقدمة التي صدر بها كتاب «معهد الحياة نشأته وتطوره»: والواقع لا نُعَدُّ مبالغين إذا قلنا إن فضيلة الشيخ عدون هو العمود الفقري لهذه المؤسسة التعليمية في كل مراحلها التي مرَّت بها، فهو المخطِّط، والراعي، والموجه، والمنفذ ماديا وأدبيا، فهو أحد الذين وضعوا حجر التأسيس في بنائه، وتابع بناءه بنبضات قلبه، وحبات عرقه، ولم تغفُ عينه عنه لحظة من ليل أو نهار. وإن الخصال العالية التي يتحلَّى بها بوَّأته ليكون بحق المعلمَ القدوةَ إخلاصًا وانضباطًا، حزمًا ونظامًا، جدا واجتهادا، أعطى لهذه المؤسسة كل ما يملك من نفس ونفيس، حتى غدت جزءًا من نفسه، وكائنا حيا، الشيخ عدون أحد أسمائها».

أما المؤرخ الإسلامي الكبير الشيخ محمد علي دبوز الذي عايش مراحل نشأة المعهد وتطوراته طالبا وأستاذا ومؤرخا وباحثا فيقول في كتابه «نهضة الجزائر الحديثة» الجزء 3 الصفحة 28: «وكان مع الشيخ بيوض في هذه الخصائص ناظرُ المعهد في أطواره الأولى، ومديرُه بعد ذلك، أستاذُنا الجليل الشيخ عدون بن بالحاج، إنه الذراع الأيمنُ للشيخ بيوض في جهاده العلمي، وفي بناء المعهد وتسييره، ولقد أحبه التلاميذ كلَّ الحب، وتفتحت له نفوسهم فانصاعوا لمواعظه، ولازموا صراطه المستقيم الذي يأمرهم به، وهو من الأسباب الكبرى في نجاح معهد الحياة في التربية، فلولاه

١٨٦ / ١٩٧