الفقه المقارن وضوابطه
الجزء ١ · صفحة ٢٦دعاهم للاحتكام إلى كتابه وسنه رسوله عليه السلام، ولم يجعل الحق ولا الحجة إلا فيهما، وكل الناس محجوجون به، مفتقرون إليه، وكل عالم يؤخذ برأيه ويرد عليه إلا صاحب الرسالة المصطفى، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (6).
وإنصافا لجهود مباركة تواصلت في عصر النهضة نَذْكُرُ بالخير أعلاما سعوا لإزالة هذه الجفوة بين أبناء المذاهب، فنصحوا لله والرسول، وبنوا جسور التواصل بين المسلمين، ودعوا للاستفادة من نتاج فقهاء الإسلام، باعتبار فقههم وليد نظر مشروع في أدلة الأحكام، ولم يكن وليد هوى جامح أو شهوة طاغية، أو مصلحة شخصية آنية.
فكلُّهم من رسول الله ملتمسٌ
غرفًا من البحر أو رشفًا من الدِّيم (7)
وعرفت الجامعات في العالمين العربي والإسلامي تدريس الفقه المقارن في كليات الشريعة والحقوق، وتوالت الدراسات الجامعية الرصينة تُجَلِّي هذا الفقه من منابعه، وتنصف جهود العلماء في إرساء قواعده، وتُقَدِّم للعالم منظومة تشريعية تضافرت جهابذة الفكر على نسجها وتقنينها، فشرفت أهلها، وأثبتت سموها وعدالتها، ولا غرو، فمنهلها وحي ربها وسنة نبيها.
* ـــ أسباب اختلاف الفقهاء:
لماذا كان الاختلاف بين فقهاء الإسلام؟ ما دام المصدر التشريعي وأصول الاستنباط واحدة؟
سؤال مشروع، ينتظر جوابا شافيا، وهذا الجواب خطوة ضرورية لإزالة غشاوة رانت على أفكار فريق من الناس يروم تفسير هذه الظاهرة، وربما أوحى إليه بعض المغرضين أن هذا الاختلاف دليل على عدم صلاحية الفقه الإسلامي لمواكبة العصر، وأنه ليس جديرا بتبوُّؤ مكانه شريعة حاكمة، ونظاما مقننا لتسيير شؤون الحياة، وإصلاح أوضاع المجتمعات. إذ يتحير المقنِّن أيَّ قولٍ يختار، وكيف يميّز بين الصواب والخطإ في هذا الكم الهائل من الأقوال والاجتهادات.
والحقيقة أن الاختلاف طبيعة بشرية فطر الله الناسَ عليها، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (8)
فقد شاءت إرادة الخالق عز وجل أن يبلو الناس بهذا الاختلاف، لحكمة تجلت بعض أسرارها، وخفي على العقول كثير منها.
ولكن الاختلاف لا يستلزم بالضرورة الخطأ ومجانبة الصواب، فقد تحتمل القضية أنظارا، وكلها صواب باعتبارات شتى، ويمكن استثمارها في ظروف ومناسبات متعددة.
وقد أسهب الأصوليون في تحليل قضية الصواب والخطإ في الاجتهاد، وخلصوا إلى أن الأمر واسع في مجال الفروع، ولا يحجر على أحد اختلاف الاجتهادات فيها، بل ربما كان ذلك أوفق بمقصود الشارع من التخفيف على المكلفين واختيار ما يناسب ظروفهم وبيئتهم، وتنوع أعرافهم وتحقق مصالحهم (9).