مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الفقه المقارن وضوابطه

الجزء ١ · صفحة ٢٧

وتعود أسباب اختلاف الفقهاء إلى عوامل موضوعية كذلك، أوفاها العلماء والدارسون بحثا، وتتلخص أساسا في العناصر الآتية:

*-الاختلاف في القراءات القرآنية.

*-الاختلاف في العلم بالسنة النبوية.

*-الاختلاف في إثبات السنة وقبول الأخبار.

*-الاختلاف في تفسير النص لاحتماله دلالات متعددة. وما يتعلق بها من قواعد أصولية لتفسير النصوص.

*-الاختلاف في الناسخ والمنسوخ.

*-الاختلاف بسبب القياس، أو تحديد العلة، وتوفر شرائط القياس.

*-الاختلاف بسبب المصادر الاجتهادية، كالاستحسان والعرف، والمصالح المرسلة. (10)

وقد بذل الفقهاء المجتهدون وسعهم لبيان الأحكام للناس، وإن اختلفت بينهم الآراء والاجتهادات.

والقاسم المشترك بين هؤلاء الأعلام أنهم كانوا متصدرين مجتمعاتهم، ومتفرغين لمهمة البلاغ بحكم تكليف القرآن لهم مهمة النذارة والبيان ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (11) ثم أوجب الله على المكلفين سؤال العارفين فقال: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (12) وخص الله هؤلاء بمعرفة الفقه والقدرة على الاستنباط ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم﴾ (13)

وانطلقت مسيرة البناء الفقهي بجهود متضافرة من قِبل أئمة مجتهدين نذروا حياتهم لهذا الدين، وتعلق بهم تلامذة مخلصون، خدموا تراثهم تدوينا وتعليما، ونشرا وتأصيلا، فترسخت تلك الفتاوى وتكاملت مناهجها، وعرف المجتمع المسلم مدارس فقهية متنوعة، تنهل من معين الكتاب والسنة، وتتعدد وجهات نظرها بناء على اختلاف مسلك كل مجتهد وتلامذته في التعامل مع النصوص والأصول، تفسيرا وبيانا، وترجيحا وميزانا، وقياسا واستحسانا.

ثم جاءت جهود للموازنة بين تلك الآراء والمفاضلة، لغرض التعرف على أقربها للحق وأعدلها في ميزان الشرع، فنشأ مصطلح الفقه المقارن. (14)

*-الفقه سِجلُّ الواقع:

الفقه الإسلامي سِجِلُّ الواقع وصورة للمجتمع، بما يحويه من متابعة تفصيلية لوقائع الحياة اليومية للفرد المسلم والمجتمع على حد سواء، وتقص لعلاقاته المختلفة لصبغها بأحكام الشرع الحنيف.

وكتب الفتاوى بالخصوص نموذج حيّ لهذه الصورة، بيد أننا نجد لها نظائر في كتب الفقه العامة، وقد رأينا في كتاب الضياء مثالا دقيقا لذلك، إذ لم يكن مجرد مصنف لأحكام الفقه النظرية، بل

٢٧ / ١٩٧