مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الفقه المقارن وضوابطه

الجزء ١ · صفحة ٢٨

وجدنا فيه تسجيلا وافيا لقضايا تاريخية واجتماعية واقتصادية وسياسية عرفها المجتمع العماني حيث عاش المؤلف كل حياته، وفيه تسجيل لمراسلات بين العلماء حول ما يشكل عليهم من تلك القضايا والنوازل.

وأحسب أن تلك اللمحات الوافية تصلح مادة لدراسة تاريخية متأنية تكشف عن أهمية دور الفقهاء في تدوين التاريخ، وحفظ ذاكرة المجتمع ولو لم يكن ذلك هدفهم ولا منطلقهم في ما كتبوا، بل تلك طبيعة عملهم باعتبارهم روادا للمجتمع وهداة له حتى يتبوأ منزلته تحت مظلة أحكام الإسلام وشريعته السمحاء (15).

وبما أن بحثنا سيطرق العوتبي نموذجا للفقه المقارن، فمن المناسب الإشارة إلى أن كتابه "الضياء" يمثل صورة حية لمعالجة الواقع الاجتماعي في عرض أحكام الفقه، فقد أفتى بأن من خرج لمعاونة القرامطة على جند الإمامة في صحار، فأفطر، فإن عليه قضاء ما أفطر، وليس عليه غير ذلك، وعليه التوبة من بغيه (16).

وهذا الحكم قائم على رأي الإباضية أن سفر المعصية لا يمنع استعمال الرخصة، خلافا لمن قال إن المعاصي لا تبيح الرخص، فمن سافر في غير طاعة أو مباح لزمه إتمام الصلاة ولم يبح له الفطر في رمضان.

* ـــ علم الفقه المقارن وعلم الخلاف:

قد يبدو أن ثمةَ تشابها بين الفقه المقارن وعلم الخلاف، بيد أنهما مختلفان وظيفة وإن اشتبها وسيلة.

فعلم الخلاف يعرّف بأنه "علم يُقتدر به على حفظ الأحكام الفرعية المختلَف فيها بين الأئمة، أو هدمها بتقرير الحجج الشرعية وقواعد الأدلة" (17).

أما الفقه المقارن فهو كما ذكرنا يعرض آراء الفقهاء ثم يدرس أدلتها، ويمحصها، ويخلص في النهاية إلى ترجيح ما يعضده الدليل.

فهما يلتقيان في عرض الآراء الفقهية، والموازنة بينها، ويختلفان في صفة الموضوعية التي يتسم بها الفقه المقارن، ويفتقد إليها علم الخلافيات، فكان لزاما أن تختلف النتائج بينهما، وإن أمكن اتفاقها أحيانا على سبيل الصدفة ووقع الحافر على الحافر ليس إلا، لأن الغاية في الخلافيات نصرة رأي الفقيه أو المذهب وتقريره، والغاية في الفقه المقارن نصرة ما أيده الدليل، مهما كان قائله، سواء احتواه حضن المذهب أم كان خارج دائرته.

*-أهمية الفقه المقارن وغايته وقواعده:

تتجلى أهمية الفقه المقارن باعتباره منهجا لإعادة صياغة المنظومة الفقهية وفق الأصول المتفق عليها، وإزالة الجفوة المصطنعة بين أتباع المدارس الفقهية، وتثمين جهود أعلام الإسلام في فقه النص وفقه الواقع، والتمييز بين آرائهم وفق ما يصلح للعصر، لا بناء على نسبة القول إلى شخص أو جماعة أو مصر.

٢٨ / ١٩٧