الفقه المقارن وضوابطه
الجزء ١ · صفحة ٣٥بتفسيره عن الرجوع فيه إلى غيره، على أن الغرض المقصود به، والغرض الموضوع له هو الفقه الذي هو أصل العلوم وأولها وأفضلها وأجلها وإمامها وأكملها، ومنه تستنبط كل معرفة وعنه تضبط كل صفة» (40).
ويود العوتبي لو جعل من كتابه موسوعة شاملة لكل العلوم، ولكن هذا هدف غير مروم، وقد أعجز السابقين، واعتذر بذلك لنفسه، حكاية عن «محمد بن إسحاق أنه ألف كتابا في الشروط يزيد على أربعة آلاف ورقة، وهو فن واحد، وكم مثل هذا أو أكثر أو أقل، وأكثر من العلوم المصنفة والكتب المؤلفة، فلو استطعت أن أجمع كل العلوم في هذا الكتاب لفعلت، لكن ذلك ما لم يكن لمتقدم ولا يكون لمتأخر» (41).
والكتاب بمضمونه ومنهجه وموسوعيته غدا مصدرا للمؤلفات العمانية اللاحقة، بل استفاد منه المغاربة أيضا، إذ ورد ذكره في كتاب شرح النيل للقطب اطفيش في واحد وعشرين موضعًا، ولكن دون ذكر اسم العوتبي، بل يرد بعبارة: "وفي الضياء"، "وقال في الضياء من كتب أصحابنا"، "وهو قول صاحب الضياء" (42).
* ـــ محتوى الكتاب:
تناول في أول الكتاب موضوع العلم باعتباره مقدمة منهجية، تعرض فيها لمباحثه تفصيلا، بدءًا بمعناه وفضله وشرف أهله، وذم الجهل وأهله، وخصص بابا للعقل وآخر لمراتب العلماء، ووجوب إكرامهم وتبجيلهم، وبابا للحث على طلب العلم وآداب المعلم والمتعلم لتحصيل ثمرة العلم، ثم أعقبه بأدب الفتيا والمفتي والمستفتي، ومن يجوز استفتاؤه، وخصص بابا للتقليد وخطره.
ثم انتقل إلى الجانب العملي وهو التكليف، انطلاقا من أساسه وهو التوحيد ووجوب قيامه على العلم والبصيرة، إذ لا يصح في توحيد الله جهل ولا تقليد.
ثم خلص إلى أبواب التوحيد بدءًا بصفات الله عز وجل وبيان ما فيها من حقيقة ومجاز، وما يجوز منها وما لا يجوز، وفصل القول في مباحث الصفات المختلف فيها بين المسلمين، كقضية رؤية الباري، كما تولى تفسير كلمة التوحيد وما تتضمنه من دلالات وتقتضيه من تبعات.
وعرّج إلى الحديث عن القضاء والقدر وبيان الرزق وطلب المعاش.
ورجع إلى أحكام القرآن، وما تعلق به من قضايا أصول الفقه، من المحكم والمتشابه، والأوامر والنواهي والأخبار عن النبيء صلى الله عليه وسلم، وما يسع جهله وما لا يسع جهله.
كما تناول مباحث الأصول والقياس، ثم خصص فصولا لبيان مصطلحات الدين والإيمان والإسلام، والكفر والشرك والفسوق والردة وأحكامها، وهو ما اصطُلح عليه بالأسماء والأحكام.
ثم دلف إلى موضوعات الفقه بدءًا بالطهارات وأحكامها، ثم الصلاة وأبوابها الكثيرة، فسائر أركان الإسلام الخمسة من الصوم والزكاة والحج، وما فيها من أقوال وأفعال وبيان أنواعها من