مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الفقه المقارن وضوابطه

الجزء ١ · صفحة ٣٨

والمعتزلة والمشبهة والقدرية وردّ عليها ردًّا مطوّلاً، وخصص الجزء الثاني من الكتاب كاملا لهذه المسائل (67).

ولئن كان العوتبي متسامحا ليّنا في مسائل الفقه، باعتبارها مسائل رأي مبناها الظن والاجتهاد، فقد كان صارما في قضايا العقيدة لأن مبناها القطع واليقين، وهي دين لا مجال فيها للاجتهاد. والحق فيها واحد ومع واحد، والمخطئ فيها آثم غير معذور [في نظره].

وحرص العوتبي على مزج العقيدة بالأخلاق، وصبغ الفقه بهما معًا، باعتبارهما أساسا لا تثمر الأحكام من دونهما، ولا يجدي غيابهما نفعا على الإنسان ولو التزم بكل أحكام الإسلام (68).

* ــــ عرض الآراء بين الترتيب والاختصار:

إن كانت المسألة محل وفاق أو راجحة عن الجمهور بدأ بالرأي المتفق عليه، أو الرأي الراجح، وإن كانت محل خلاف بدأ بذكر الخلاف، ثم يخلص إلى ما رجح عنده من تلك الآراء (69).

ومن شواهد هذا الترتيب مسألة استقبال الكعبة، إذ بدإ بإجماع الأمة على فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى تجاهها وصفّ الناس خلفه مستديرين حولها، فدل على أن حال أهل الآفاق جميعا مثل حال أهل مكة يصلون تلقاء الكعبة، ثم ذكر الاختلاف حول وجوب استقبال عين الكعبة أم جهتها (70). وفي حكم الأذان بدأ بذكر الاختلاف وناقش الأقوال ثم خلص إلى الرأي الراجح (71).

كما يجنح العوتبي في عرضه للآراء إلى الاقتصاد وإيراد الأهم البارز في مسائل الخلاف، مع نسبة الرأي لصاحبه، وذكر الرأي بكل أمانة، موضحًا وجهة نظر صاحبه ومبنى دليله، ثم يناقشه. بيد أنه قد يورد الرأي بصيغة المجهول، أو يُغفل اسم صاحبه، بعبارة: ويرى بعضهم، وقال بعضهم، وقيل، ورُوي … (72).

وإن كان الخلاف غير مُجْدٍ أعرض عن تفصيل الرد عليه، وقد صرح بهذا المسلك بقوله: «السكوت خير من الكلام العاري من البرهان، والخرس أفضل من قول بغير بيان» (73).

* ـــ ترتيب العوتبي بين الأدلة:

واضح من منهج العوتبي حرصه البالغ على استقصاء الأدلة النقلية الصحيحة من الكتاب والسنة وأقوال السلف. ومن عادة العوتبي إيراد الأدلة بالتسلسل من أعلاها إلى أدناها، يبدأ بآيات القرآن الكريم، وما قال فيها المفسرون، ثم أدلة السنة، وينص في المسائل قائلا: والحجة في ذلك قول النبيء صلى الله عليه وسلم كذا .. (74)، ثم دليل الإجماع (75) ثم أقوال الصحابة (76). والمجتهدين، وغيرها من الأدلة الاجتهادية كالقياس والاستصحاب (77). ودليل العقل (78). ويدعمها بشواهد اللغة ما أمكن (79).

وقد يستأنس بكلام الحكماء ولو من غير أهل ملة الإسلام، إيناسا للقارئ، وترسيخا لمعنى الصواب

٣٨ / ١٩٧