مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الفقه المقارن وضوابطه

الجزء ١ · صفحة ٣٩

والحكمة التي هي ضالة المؤمن، حتى يوقن أن أحكام الإسلام تطابق منطق الفطرة والحكمة الرشيدة، وتحقق مصلحة الإنسان في كل زمان ومكان (80).

وقد برز هذا التوظيف الشامل لشتى الأدلة في عدة أبواب من الكتاب، منها أبواب العلم بصورة خاصة، لأن العلم محل اتفاق بين الناس، وقد أجمعت العقول والرسالات على قيمة العلم وفائدته وضرورته.

* ـــ قوة الدليل أساس قبول الآراء:

ذكر عن موسى بن علي قوله "ثلاثة لا يجوز في النكاح، رجل تزوج امرأة وشرط عليها أن لا ميراث لها، أو يعزل عنها في الجماع، أو لا نفقة لها عليه، وشرط الله قبل شرطه" (81).

وأكد ما جاء في الأثر أن من تزوج على أن لا جماع فيه ثم أراد الجماع فذلك هو له، وإن كان أنقصها من صداقها لذلك فعليه تمامه" (82).

ومن شرط أن لا نفقة ولا كسوة ولا سكنى، فالنكاح تام، ولها النفقة والكسوة والسكن، إذا أرادت نقض الشرط، وإن طلقها على أن لا كسوة ولا نفقة لها عليه في العدة إذا كانت حاملا، أو طلقها ثلاثا، فهذا أيضا فاسد، إذا أرادت نقضه" (83).

وإن تزوجها على أن لا صداق لها عليه، فهذا تزويج فاسد، بدليل أن الفروج لا تُستباح بالنكاح إلا بصداق، فلما شرط في النكاح ما يبطله فسد، وشبهه بنكاح الشغار الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم (84).

وفي باب الصلاة ذكر قول جابر بن زيد بكراهة الصلاة على كل شيء من الحيوان، واستحبابها على كل ما أنبتت الأرض، وما لم يكن منها فلا يجوز السجود عليه إلا بدليل، لحديث «جعلت لي الأرض مسجدا» (85)، وأما الذهب والفضة والثياب وإن كانت مما أنبتت الأرض فهو مكروه كراهة تأديب، لأنه منافٍ للتواضع والتذلل لله تعالى في حال السجود، وهي مدعاة للخيلاء والفخر (86).

ولا يعني هذا التزام العوتبي بإيراد الأدلة لكل الأقوال التي يذكرها، فأحيانا يورد العوتبي أحكاما متسلسلة دون ذكر أدلتها، وقد تكون قائمة على القياس، أو على دلالة نصوص عامة، فلا يشير إلى ذلك، وربما أورد شواهد لبعض المسائل دون البعض الآخر، ومن نماذج هذا ما ذكره من أحكام المساجد والنوم فيها ونزع الأذى منها، وحفر بئر فيها وموضع العريش في فنائها، فدلل على بعض الآراء وترك الآخر غفلا عن الدليل (87).

وفي الحديث عن زكاة الفائدة وهل تتبع أصلها، أم يستأنف لها حول جديد، ذكر قول الإباضية بأنها تبع لأصلها، وقول الإمام مالك باحتساب حول جديد لها، ورجحه على غيره، ومستنده الحديث النبوي: "لا زكاة على مال حتى يحول عليه الحول" قال: «والفائدة مال مخاطب صاحبها

٣٩ / ١٩٧