الفقه المقارن وضوابطه
الجزء ١ · صفحة ٤١﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ (92) فقد أورد الأقوال ممن يرى أنها العصر، ومن يرى أنها الصبح، ومن يرى أنها الظهر، والأحاديث المستدل بها لكل قول، ثم ختمها بقوله: والله أعلم. (93).
وفعل مثل ذلك في مسألة الصلاة في الأرض المغصوبة والصلاة بالثوب المغصوب، بين من قال ببطلانها لكونها أفعالا كائنة في مكان لا تصح فيه، ومن قال إنها صحيحة، ويتوب من غصبه، ولا يقضي صلاته. ولم يرجح بين هذه الأقوال (94).
* ـــ بين الموضوعية والمذهبية:
تعتبر المذهبية سمة لازمت المذاهب الإسلامية طويلا، ولا تزال آثارها طاغية على مستوى التفكير والفعل في معظم المجتمعات الإسلامية، ولها أسبابها التاريخية والاجتماعية، وتعزيزها من قِبل بعض الفقهاء، رغم حيادية بعضهم، وسعيهم للتقليل من آثارها، وقد ذكر الدكتور الدريني عن كتاب «بداية المجتهد» بأنه "من أنفس ما كُتِب في الفقه الإسلامي المقارن، دقةً علمية وموضوعية، ونزاهةً، وتبدو عنايته واضحة في تحرير "مناشئ الخلاف"، والموازنة بين الأدلة أصوليًا، وكثيرا ما يرجّح الرأي الأقوم، وقد يأتي برأي جديد، في حين أننا نجد في كتب الحنفية مثلا نقلاً للآراء الضعيفة لفقهاء المذاهب الأخرى، ثم يشرعون في الرد عليها، متجاهلين الآراء القوية لمخالفيهم، مما يشعر بتجافي "الحق العلمي" بدافع نزعة حب الانتصار على المذهب المخالف، وهو لون من التعصب المذهبي الذي ينبغي أن يكون القضاء عليه غاية من غايات الفقه المقارن" (95).
ومن أهم ضوابطِ الفقه المقارن وشروطه: الموسوعيةُ والموضوعيةُ، ليتسنى للناظر الاطلاع الكافي على الآراء وأدلتها، والشجاعة الكافية لترجيح ما يعضده الدليل. وقد حظي العوتبي بنصيب موفور من هاتين الصفتين، بما نجده واضحا في كتبه بعامة، وفي الضياء بصفة خاصة.
ومن حرص العوتبي على الموضوعية قدر المستطاع ذكر الأقوال وأدلتها، كما فعل في قضية ما يقطع الصلاة مما يمر بين يدي المصلّي، إذ قال: «قالت طائفة من قومنا: لا يقطع الصلاة شيء، وهو قول الشعبي والزبير ومالك وسفيان الثوري والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي وغيرهم. واحتج أصحاب الشافعي بما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا يقطع صلاة المسلم شيء"، وعن عليّ أنه قال على المنبر: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يقطع الصلاة إلا الحدث" وإني لا أستحيي مما لم يستحي منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: الحدث أن يفسُوَ الإنسان أو يضرط.
وقال أبو حنيفة فيما حُكي عنه: لا تقطع الصلاة إلا الحائض» (96).
وفي رأي وجيه يظل العوتبي وفيا للواقع في تقرير الأحكام إذ يقول: «وإذا مرت امرأة بين يدي المصلّي فليس عليه أن يسألها طاهر هي أم لا، ولا نقض عليه حتى يعلم ذلك، لأن من شأن المرأة