مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الفقه المقارن وضوابطه

الجزء ١ · صفحة ٤٧

بتحريم الوطء في الحيض نصًّا، فناسب تشديد الحكم على منتهكه، ووردت أحاديث تشنع على فاعل ذلك، وتلزمه دينار الفراش، وهي وإن كانت أحاديث مضطربة عند نَقَدَةِ الروايات، فقد عمل بها كثير من الصحابة والأئمة. ولم يرد مثل ذلك في باب النفاس، فرأى العوتبي عدم حرمة الموطوءة في النفاس لهذا الاعتبار (150).

وينكر العوتبي على من قاس الزكاة على الصلاة في كل شيء، لأن الصلاة عمل بدني يتعلق بالمكلف، فيختص بشروطه، والزكاة عبادة مالية تتعلق بالمال، فاختلفت حقائقهما، وإن كانتا جميعا عبادات وأركانا للدين.

ويرى العوتبي مع الإباضية والجمهور أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون، ولا ترفع عنهما، وهو قول عدد من الصحابة أيضا، استنادا إلى عموم أدلة وجوب الزكاة، بينما ذهب أبو حنيفة إلى اشتراط العقل والبلوغ لوجوبها، قياسا على الصلاة. وأكد العوتبي هذا التمييز بأن الصلاة تخص المكلف، والزكاة يتعلق بها حق الغير، فلا تقاس الزكاة على الصلاة (151).

كما ناقش أبا حنيفة إجازته أن يعطي الدائنُ غريمَهُ زكاتَهُ، ثم يطالبه بدينه، ولم يجز أن تعطي المرأة زوجها من زكاتها، ورأى العوتبي جواز ذلك لتساوي الصورتين، وطالب أبا حنيفة بدليله، وناقش القضية باستفاضة (152).

* ـــ المقاصد والضرورة:

لم يغفل العوتبي في عملية الاجتهاد والموازنةِ بين الآراء الاحتكامَ إلى مقاصد الشريعة للتعرف على أهدى الآراء سبيلا، وأقربها لتحقيق مقاصد الشارع الحكيم، إذن إن الدين كله جاء لمصلحة المكلفين، كما استقر باستقراء تام لأحكام الشريعة الغراء (153).

وقد ذكر حكم بناء المساجد وما يعتريها من أحوال، كأن يريد أحد بناء مسجد فيخرب بسببه مسجد آخر مجاور، فهل يباح له ذلك؟ قال: إن لم ينو الضرار فلا بأس. رغم وجود قول بوجوب تباعد المساجد بقدر قضاء حاجة الإنسان والتوضؤ بعد سماع الأذان ولحوقه الجماعة بعد ذلك. وأما ما دون هذه المسافة فيحق للسلطان منع بناء المساجد. وعقب قائلا: «وما أحب أن يبني أحد مسجدا بقرب مسجد إلا أن يكون لا يقدر أن يصل إلى ذلك المسجد، فله أن يبني»، وذكر أن المسلمين عرفوا تجاور المساجد فلم ينكروا على أهلها، وهو أمر مشهور في عمان في زمن العوتبي (154).

وذكر أن من وطئ امرأته وهو يرى أنها غير امرأته بقصد الزنا، أو صلى في ثوب طاهر وهو يرى أنه نجس، أو شرب شرابا حلالا يظنه خمرا، أو قتل رجلا عمدًا عدوانا، وهو ممن يحل قتله، وما أشبه هذه الصور أنه آثم بالقصد، ولكن لا ضمان عليه، وتلزمه التوبة والاستغفار، وإن مات كان في البراءة لقصده ارتكاب الكبيرة (155).

٤٧ / ١٩٧