مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الفقه المقارن وضوابطه

الجزء ١ · صفحة ٤٨

واتساقا مع واقعية الفقه ومراعاته لظروف المكلفين كان اعتبار الضرورة حاضرا في منهج العوتبي، فنجده يرعاها ويبني عليها عددا من الأحكام.

وتقوم قاعدة الضرورة على أساس تعلق الخطاب الشرعي بالاستطاعة وقدرة العبد على الامتثال، وحين تقصر قدرته عن الوفاء بكامل الطاعة لزمه أن يأتي منها بما يستطيع، لقوله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (156). وقوله (: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (157)، وبناء على هذه القاعدة قال العوتبي في الذي له ثوب نجس لا يقدر على طهارته أنه يصلي به ولا يصلي عريانا، وهذا قول الإباضية خلافا للشافعي وأصحابه من أهل الحجاز، واستدل للقول الأول ورجحه (158). أما من افتقد ثوبا للصلاة فإنه يصلي عاريا ولا يترك الصلاة، ولكنه يصلي قاعدا، لأنه أستر له، وفصّل أحكام صلاة العراة جماعة عند الضرورة (159).

وأورد أحكام أصناف من المكلفين، أمثال:

*-من صلى للقبلة ثم تبين خطؤها بعد صلاته.

*-إذا وجد العاري الثوب وهو في الصلاة.

*-إذا وجد المتيمم الماء وهو في الصلاة.

*-إذا أعتقت الأمة وهي تصلي حاسرة الرأس.

*-إذا قدر العاجز عن القيام في الصلاة وهو يصلي قاعدا.

فهؤلاء جميعا يبنون ولا يجددون ولا يستأنفون صلاتهم، لأن ما وقع منها أولاً كان وفق استطاعتهم، ثم تجددت لهم استطاعة أخرى فلزمهم العمل بما تقتضيه والانتقال إلى ما توجبه (160).

ومن تطبيقات ذلك واجب استقبال القبلة للمصلي حين يتعذر امتثاله، قال: «وإذا خفيت عليه الدلالة سقط عنه فرض التوجه، وكان عليه فرض التحري نحوها، فإذا صلى بعض الصلاة ثم انكشفت الدلالة على الكعبة توجه إليها، وبنى على ما مضى من صلاته، لأن فرض التوجه لزمه عند علمه بالجهة»، واستشهد بخبر تحويل القبلة الذي بلغ الصحابة وهم في الصلاة فاستداروا من بيت المقدس نحو الكعبة، وأقرّهم النبيء صلى الله عليه وسلم على ذلك (161).

وفي مقام آخر يقول: «وللإنسان أن يصلي إلى غير القبلة إذا خشي من التوجه إليها من تلف على نفسه من خوف أو مرض أو غيره، ويصلي كما أمكن له، وكذلك يجوز له أن يصلي راكبا وراجلا من طريق الإيماء، قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانا﴾ (162)، وكذلك الخائف المطلوب دمه الهارب يصلي خمس تكبيرات، ويصلّي حيث كان وجهه، قال الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (163)» (164).

* ـــ أثر اللغة على فقه الضياء:

٤٨ / ١٩٧