الفقه المقارن وضوابطه
الجزء ١ · صفحة ٤٩مكّنت ثقافة العوتبي الأدبية ووفرة زاده من علوم اللغة، فجعل من الأدب وعاءً للفقه (165)، فجاء كتابه الضياء فريدًا في نسجه، تعلوه مسحة لغوية أدبية ظاهرة، تضفي عليه نضارة تنأى به عن روح الفقه الجافة، بحكم طبيعة الأحكام وما توحي به من صرامة والتزام، ونجد في الضياء عناية فائقة بالتعاريف انطلاقا من استعمالات اللفظة عند أهل اللسان، واستحضارا بارعا وغزيرا لشواهد اللغة وأهلها، ولا غرو فإن القرآن مصدر علوم اللغة، وقاموس اللغة ووعاؤها الخالد. منه نهل اللغويون والفقهاء على حد سواء.
ولئن تميّز العوتبي باتجاه واضح إلى التأصيل اللغوي فإنه كان مع الاقتصاد في استعمال هذا المنهج حتى لا يخرج عن مجال الاختصاص وهو بيان الأحكام.
ومن شواهد توظيف العوتبي للغة ما ذكره من قول أهل اللغة في سبب تسمية المعرفة والنكرة، وعلة ذلك، بناء على أن المعرفة لا تحتاج إلى علامة؛ خلافا للنكرة (166). ودلل لذلك بقول النابعة:
أَبَى اللهُ إِلاَّ عَدلَهُ وَوَفَاءَهُ
فَلا النُكرُ مَعرُوفٌ وَلاَ العُرفُ ضَائِعُ (167)
وقال في شرح حديث النبيء صلى الله عليه وسلم: "إن المسجد لينزوي في النخامة"، أي يجتمع وينقبض من كراهيته لها. قال الأعشى:
يزيد بِغضِّ الطرف دوني كأنما
زُوِي بين عينيه على المحاجم (168) (169).
ونجد أشعارا للخنساء وعنترة (170) كما يستدل بأقوال أهل اللغة مثل قطرب (171)، والفراء (172)، وابن الأنباري (173)، والمبرد (174).
ولا يكاد يطرق مسألة فقهية لها علاقة بالمصطلح قبل أن يفتتحها ببيان المعنى اللغوي مدعما بشواهد من كلام العرب (175).
ففي تعريف المدبَّر قال: «التدبير مأخوذ من الدبر، لأن السيد أعتقه بعد مماته، والممات دبُر الحياة، فقيل: مُدبَّر، ويقال أيضا أعتقه عن دُبر، ولا يقال ذلك في غير العبيد، ولو جعل فرسا في سبيل الله أو نخلا أو دارًا بعد وفاته لم يَجُز في اللغة أن يقع على هذا اسم تدبير، ولا يقال فرس مدبَّر ولا نخل مدبَّر. وليست اللغة بقياس» (176).
وفي حديثه عن حكم الأرض المغصوبة نص على عدم صحة الصلاة فيها، كما لا تصح بالثوب المغصوب، «ولا يجوز أن يغتصب المسجد، وليس لمغتصبه أن يصلّي فيه، ومن اغتصب أرضًا وبنى فيها مسجدا فلا ثواب له، ولا تجوز صلاته فيه، وفي صلاة غيره اختلاف. واختُلف أيضا في حكم الأرض، فقال قوم: الأرض لصاحبها ويُهدَم المسجد، ويستعمل أرضه، ومنهم من قال: يرجع على المعتدي في أرضه فيؤخذ منه قيمتها فقد استهلكها. والله أعلم.