الفقه المقارن وضوابطه
الجزء ١ · صفحة ٥٠وليس للغاصب ثواب فيما يتقرب به ويفعله معصية. وقال الشاعر في هذا المعنى:
بَنَى مَسجِدًا لله فيِ غَيرِ حِلِّهِ وَكَانَ بِحَمْدِ اللهِ غَيرَ مُوَفَّقِ
كَمُطْعِمَةِ الزَّمْناءِ مِنْ كَسْبِ فَرْجِهَا
لَكِ الوَيْلُ، لاَ تَزْنِي، وَلاَ تَتَصَدَّقِي» (177)
وللعوتبي مناطق كثيرة يتحرك فيها من حيث التقديم والتأخير، والذكر والحذف، والإيجاز والإطناب، والإيضاح والإبهام، ومن حيث التصريح والتضمين، وغير ذلك مما يكون له أثر في الدلالة. (178)
وهو في أسلوبه محكم السبك سلس العبارة، تلتحم فيه الألفاظ التحاما قويا حتى لا يوجد بين أجزاء الكلام تنافر أو اضطراب.
ونجده أحيانا يعنى بتصوير المعنوي في ثوب المحسوس، ويقدمه في كيان حي ماثل للعيان.
وتتعدد لغته في تقرير المسائل وكثيرا ما يستعمل لغة الحوار: فإن قال قائل كذا .. قيل كذا .. (179).
كما نجد مثالا لهذا التلوين في أساليب الحديث؛ في بيانه لآداب المسجد وما يلزم الداخل إلى المسجد من آداب (180).
وقد يتخذ من دليل اللغة مرجحا لرأي يختاره بين آراء الفقهاء، مثل اعتماده على معنى المال لغةً لترجيح الرأي بعدم الرغبة في المال شرعًا، (181) وكقوله بوجوب السترة والدنو منها في الصلاة لحديث: "من صّلى إلى سترة فليَدْنُ منها"، وفي رواية "إذا صلى أحدكم إلى شيء فليُرهقه"، وفسر الإرهاق بالغشيان في استعمال أهل اللغة (182)، وتحريم الخمر بناء على أن من أسمائها في اللغة "الإثم" وقد حكم القرآن أن فيها إثمًا كبيرا، ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ (183) وحرّم الإثم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ﴾ (184) (185).
كما رجح وجوب الخُمُس في الركاز بدلالة اللغة، وذكر أنه قد «جاءت السُّنّة عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: "في الركاز الخُمُس". قال أصحابنا: الركاز كنوز الجاهلية، ووافقهم على ذلك أهل الحجاز، وأما أهل العراق فعندهم أنه المعادن. والقول عندي ما قال أصحابنا لأن اسم الركاز مأخوذ من ركز الرمح فأثبت أصله، فإذا استخرج المال ذهب أصله، وكذا الرمح إذا خرج ذهب أصله» (186).
وعلى نفس النسق رجح قول جمهور الفقهاء من أن الواجب على المصلي استقبال جهة الكعبة، ولا يعنّت عليه بالاتجاه إلى عينها إذا لم تكن أمام بصره، وكان من بين استدلالاته معنى الشطر في اللغة، وقد أمر الله بالتوجه إليه ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (187). لأن من معاني الشطر في اللغة الجهة (188).