المصاحف العثمانية والأحرف السبعة
الجزء ١ · صفحة ٧الأمصار». اهـ.
أقول: هل يُعقل أن يتحرَّج عثمان ويستصعب أن يغيِّر الفتوى في مسألة فرعية من أجل ان يُقضى فيها مِن قبله، وأنَّها مضت وانتشرت في الأمصار؟ أليس القرآن قد مضى في الأمصار، وانتشر فيها بين كافة المسلمين، يحفظه منهم الكبير والصغير، الذكر والأنثى، والعالم والجاهل؟ حفظه الجميع كلَّه أو بعضه في الصدور، وحمله منهم جيلٌ عن جيلٍ، وأمَّة عن أمَّة، بل أُمم عن أُمم.
3 - تقدَّم في البحث «مراحل توثيق القرآن الكريم» (6) الحديث الذي رواه الإمام البخاري، والذي جاء فيه أنَّ أبا بكر تردَّد وتحرَّج من مجرَّد جمع القرآن حين أشار إليه عُمر بذلك، فقال: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وفيه أيضًا أنَّ زيد بن ثابت تحرَّج وقال لأبي بكر وعمر: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أيتحرَّجون من مجرَّد الجمع ولا يتحرَّجون ممَّا يشبه عملية اختصار نصِّ القرآن؟ على ما يُفهم من دعوى رسمِهِ على حرف واحد، وإن كنتُ أعتقد أنَّ القائلين بهذا لم يقصدوا شيئًا من ذلك، وحاشا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعلوه.
4 - صرَّح كثير من الأئمة الأعلام أنَّ الاعتماد في توثيق القرآن وحفظه من الضياع أو التبديل أو التغيير كان في الدرجة الأولى على الحفظ في الصدور.
قال ابن الجزري: «ثم إنَّ الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتُب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمَّة».
وقال أيضًا معلِّقًا على حديث رواه مسلم جاء فيه: « … "ومُنَزِّلٌ عليك كتابًا لا يغسله الماء" فأخبر تعالى أنَّ القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تُغسل بالماء، بل يقرؤه في كل حال، كما جاء في صفة أمَّته "أناجيلهم في صدورهم"» (7).
5 - إنَّ الخليفة عثمان رضي الله عنه لمَّا عزم على جمع القرآن للأسباب التي سبق ذكرها أرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصُّحُف ننسخها ثمَّ نردُّها إليك، حتَّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة فأرسل إلى كلِّ أُفق بمصحف ممَّا نسخوا. هكذا بالحرف الواحد في صحيح البخاري في الباب الثالث من كتاب فضائل القرآن، فمن أين علموا أنَّ عثمان كتب المصاحف على حرف واحد؟ وما مُستَنَدُ من قال بهذا؟
6 - إنَّ جميع الكتب من تفسير وحديث وغيرها، عندما تناولت قضية جمع أبي بكر للقرآن في صُحف ـــ في حدود ما اطَّلعتُ عليه ـــ لم تتحدث عن أنَّ أبا بكر اشترط على من يأتيه بشيء من القرآن مكتوب عنده أن يأتيه بشاهدين على أنَّ ذلك ممَّا تلقَّاه عن النبيء صلى الله عليه وسلم في العرضة الأخيرة، كما أنَّه لم يُنقَل إلينا أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم أمر صحابته من كان لديه شيٌ مكتوب من القرآن أن يُعارِضَه على العرضة الأخيرة ويمحو ما سواه. وإنَّما ذكرتُ