الحضور المشرقي في فقه المغاربة قراءة في المنهج
الجزء ١ · صفحة ٦٥قرر القطب أن يضع موسوعة في الفقه، شاملةً لجميع أبوابه، وافيةً مستفيضة، فاهتدى إلى فكرة شرح كتاب النيل، الذي أبدع صاحبه الثميني في الاختصار والإلغاز، حتى صعب على المتمرس المنتهي، بله المتعلِّم المبتدي، فأوَّلُ ما واجهه هو كون صاحب النيل قد سبقه إلى مثل هذه الموسوعة، ولكن بالاطلاع عليها، وجد أنها مجرَّد اختصار لموسوعة عمانية كبيرة، وليس فيها زيادات، ولا حضور مغربي، وتفتقر إلى الدليل في كثير من الحالات، وإلى الفقه المقارن في أغلب أبوابها (10) … ولذا فضَّل الاستقلال بما يؤلف، فوضع كتابه الجديد: شرح كتاب النيل وشفاء العليل.
ولكن، والحال هذه، لا بدَّ أن تكون الموسوعات المشرقية المتوفرة في مكتبته، وفي مكتبة الحاج محمد بن عيسى ازبار، قد ألقت بثقلها عليه، وأغرته باختصارها، أو وضع الحواشي عليها … لكنه، كان واضح المنهج، وباختصار: يريد الاستقلال بمؤلف أصيل وجديد.
إلاَّ أنَّ هذه الموسوعات لا ولن تغيب من مؤلفه هذا، بل إنها من المواد التي استوعبها، ووعى ما فيها، فاتخذها مصادر أساسية لكتابته، وهذا ما يفسِّر استشهاده بها في كثير من الأحوال. وهذه المداخلة حَرية بتبيين ذلك.
المشارقة والمغاربة:
لسائل أن يسأل: هل هذا التباين المشرقي المغربي، مما وضُحت معالمه في شرح النيل، أم هو مجرد ذكر عابر، ليس إلاَّ؟
في مقدِّمة النيل قال الثميني: «فَدُونَكَهُ كِتَابًا جِمَاعًا مَعْرُوضًا عَلَى الأُسْتَاذِ (11)، مَجْمُوعًا لا مَقْطُوعًا فَضْلُهُ عَن الْعِبَادِ، وَلا مَمْنُوعًا» وفي شرح هذه العبارة يوضِّح، القطب أنَّ المقصود بكلمة "مجموعا" هو: «(مَجْمُوعًا) جَمَعْتُ مَسَائِلَهُ كُلَّ نَوْعٍ عَلَى حِدَة فِي مَحَلِّهِ» ثم قال: «لا كَكُتُبِ الْمَشَارِقَةِ الطِّوَالِ، جَزَاهُمْ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا بِالتَّطْوِيلِ»
من هنا نستنتج استحضار القطب في ذهنه لكتب المشارقة، ولطريقة تقسيمهم، ولأبواب الكتب عندهم، حتى إنه وظَّف هذه المعلومة في شرحه لما ذكره الثميني، وقد يكون الثميني لم يعنِ هذا الاستثناء بالذات.
وهذا الذكر والاستحضار يبين لنا مدى التباين الذي يتصوَّره القطب بين كتب المشارقة وكتب المغاربة، في المنهج على الأقلِّ، وهي معلومة أولى تفيدنا في الإجابة على السؤال المطروح.
أمَّا من حيث المحتوى، فالمطَّلع على شرح النيل، باستعمال وسيلتين اثنتين يسَّرهما لنا الله تعالى في هذا العصر، ولم تكونا ممكنتين من قبل:
* أولاها- فهارس شرح النيل، من إنتاجنا في جمعية التراث، والذي طبع في سلطنة عمان.
* ثانيهما- برنامج الكمبيوتر المعنون بـ"جامع الفقه الإسلامي" الذي أدرج ضمن مصادره شرح النيل كاملا، مما يسهِّل البحث فيه بالكلمة، أو بجزء منها، أو بالعبارة، وهذه من النعم التي حبانا