مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

الحضور المشرقي في فقه المغاربة قراءة في المنهج

الجزء ١ · صفحة ٦٦

الله تعالى بها، وكلُّ أملنا أن نطالع يوما ما جميع الموسوعات الفقهية الإباضية، في برنامج علمي دقيق، يسهِّل لنا الكثير من الخطوات في الإجابة على السؤال الجوهري لهذه المحاضرة وغيرها.

قلت بالاطلاع على هاتين الوسيلتين، نلاحظ ما يلي:

* أنَّ مصطلح "المشارقة" قد ورد معرفا في شرح النيل 64 مرة، في أغلب أبواب الكتاب، ويعني بالمشارقة في الغالب: فقهاء الإباضية من المشرق الإسلامي، عبر العصور، باستثناء أعلام المذهب أصحاب مرحلة النشأة، أمثال: جابر بن زيد، وأبي عبيدة، والربيع بن حبيب، وابن محبوب (12). فإنَّ هؤلاء يعتبرون وكأنهم ملك مشترك بين المشرق والمغرب.

إلاَّ أنَّ القطب نقض هذا التعريف مرَّة واحدة في شرح النيل، في قوله: «(عِنْدَ الْمَغَارِبَةِ) أَهْلِ نَفُوسَةَ وَأَهْلِ تيهرت وَأَهْلِ سِجِلْمَاسَةَ وَمَا بَيْنَهُنَّ، وَذَلِكَ مَذْهَبُ أَبِي عُبَيْدَةَ مِنْ الْمَشَارِقَةِ» (11/ 356).

* والصيغ المستعملة كلها تجعلنا في يقين أنَّ ثمة وضوح كبير في ذهن المؤلف بالتباين المشرقي المغربي، وهو حريص على إظهاره، وشرح حيثياته، إلاَّ أنه أحيانا يذهب إلى رأي المغاربة، وأحيانا أخرى يرى رأي المشارقة، وقد ينفرد بمذهبه.

من الأمثلة على ذلك:

* في ذكر نواقض الوضوء، يرى المغاربة أنَّ قلع الشعر من أصله ينقُض الوضوء، وكذا بعض المشارقة، قال: «وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَارِقَةِ: نَاقِضَةٌ وَإِنْ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ» (ج1/ص 150). ولم يعيِّنهم.

* في باب التيمم، قال: «وَيَتَيَمَّمُ لِلْوُضُوءِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْوُضُوءِ، أَوْ لَمْ يَجِد الْمَاءَ ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهَا تَيَمَّمَ لِلْوُضُوءِ دُونَ النَّجَسِ، كَمَا لا يَتَيَمَّمُ لِلثَّوْبِ الْمَنْجُوسِ، وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَشَارِقَةِ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِلثَّوْبِ بِنَشْرِهِ عَلَى الأَرْضِ، وَظَاهِرُ إيجَابِهِمْ التَّيَمُّمَ لِلاسْتِنْجَاءِ وُجُوبُهُ لإِزَالَةِ النَّجَسِ حَيْثُ تَعَذَّرَتْ ثُمَّ لِلْوُضُوءِ» (1/ 367).

* وهل تجوز الصلاة فوق المسجد، أم هي مكروهة، يجيب القطب: «(وَكُرِهَتْ فَوْقَ مَسْجِدٍ) ، وَقِيلَ: فَسدَتْ إلاَّ عَلَى الضَّرُورَةِ، وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَشَارِقَةِ أَنَّهُ تَجُوزُ الصَّلاةُ فَوْقَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ كَرَاهَةً، وَمُرَادُهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - جَوَازَهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ حَمْلاً لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَجَمْعًا بَيْنَ الْكَلامَيْنِ لأَنَّهُ الأَصْلُ مَا أَمْكَنَ، وَالْجَوَازُ لاَ يُنَافِي الْكَرَاهَةَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي سِتَّةَ» فنلاحظ هنا أنه استطاع أن يجمع بين القولين، وصرَّح بأنَّ الجمع هو الأصل. (2/ 74).

* في حكم صلاة الجماعة، قال: «(صَلاةُ الْجَمَاعَةِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ) … (عَلَى الصَّحِيحِ) ، مُقَابِلُهُ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا سَنَّةُ كِفَايَةٍ، وَتِلْكَ الأقْوَالُ بَعْضُهَا مِنْ كُتُبِ الْمَشَارِقَةِ وَبَعْضُهَا مِنْ كُتُبِ غَيْرِنَا، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَبُو سِتَّةَ رضي الله عنه» يلاحظ قوله: «وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَبُو سِتَّةَ رضي الله عنه»، مما يبيِّن أنَّه تتبع ما قاله في الحاشية، وذكر ما يفهم منه أنَّه لم يطلع عليها،

٦٦ / ١٩٧