مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

المصاحف العثمانية والأحرف السبعة

الجزء ١ · صفحة ٨

هذا ردًّا على من زعم أنَّ المصحف الإمام نُسخ على حرفٍ واحدٍ وعلى ما يوافق العرضة الأخيرة، من غير أن يقوم دليل من العقل أو النقل على ذلك.

7 - إنَّ على من ادَّعى رسم القرآن في المصاحف العثمانية على حرفٍ واحدٍ أن يعترف أنَّ الصحابة كانوا على علمٍ ويقين من هذه الأحرف، وكانت لديهم متمايزة، فاختاروا واحدًا وألغوا الستة الأخرى … وإن كان هذا حقًّا فلماذا لم يُنقل عنهم؟ ولو وقع لَنَقَله الرواةُ وتواتر عند الناس، ولَمَا اختلف العلماء من بعدهم ذلكم الاختلاف في تأويل الأحرف.

ومن عجيب أمر الإمام الجليل الطبري ومن على رأيه أن يزعم أنَّ الحروف الستَّة قد دَرَسَت من الأمَّة معرفتُها، وتَعَفَّتْ آثارُها!

قال في سياق حديثه عن قصَّة جمع القرآن في عهد الإمام عثمان رضي الله عنه: « … إنَّ إمام المسلمين، وأمير المؤمنين عثمان بن عفان رحمة الله عليه جَمَع المسلمين نظرًا منه لهم، وإشفاقًا منه عليهم، ورأفة منه بهم، حِذَارَ الردَّة من بعضهم بعد الإسلام، والدخول في الكفر بعد الإيمان، إذ ظهر من بعضهم وبمحضره وفي عصره التكذيبُ ببعض الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن مع سماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رسول الله النهيَ عن التكذيب بشيءٍ منها، وإخباره إيَّاهم أنَّ المراء فيها كفرٌ؛ فحملهم ـــ رحمة الله عليه ـــ إذ رأى ذلك ظاهرًا بينهم في عصره وبحداثة عهدهم بنزول القرآن وفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم إيَّاهم، بما أمن عليهم معه عظيم البلاء في الدين من تلاوة القرآن على حرفٍ واحد، وجمعهم على مصحفٍ واحدٍ أو حرفٍ واحد [!!؟] وحرَّق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه، وعزم على كلِّ من كان لديه مصحفٌ مُخالف للمصحف الذي جمعهم عليه أن يحرِّقه، فاستوثقت (8) له الأمَّة على ذلك بالطاعة، ورأت أنَّ فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها الإمام العادل في تركها، طاعة منها له، ونظرًا منها لأنفسها، ولمن بعدها من سائر أهل ملَّتها حتى درست من الأمَّة معرفتُها، وتعفَّت آثارُها، فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها لدثورها، وعُفُوِّ آثارها» (9).

أقول: حاشا الصحابة أن يكذِّبوا بشيء من أحرف القرآن، ولا أن يُجمعوا على رسمه بحرفٍ واحد؛ ثمَّ كيف عرف العلماء تأويلها بعد ذلك وتضاربت أقاويلهم وقد درست من الأمَّة معرفتُها، وتعفَّت آثارها، فلا سبيل لأحد القراءة بها، كما مرَّ بك في عبارة الإمام الطبري.

كلاَّ؛ إنَّها باقيةٌ إلى يوم الناس هذا؛ فمن المصاحف التي بلغت إلى علمائنا الأجلاَّء ووصلتهم متواترة محفوظة في القلوب، استنبطوها فعرفوها على ما ذهب إليه كلٌّ منهم، وما من وجهٍ من وجوه التأويل لهذه الأحرف في مجموع الأقاويل التي دوَّنها العلماء في مصنَّفاتهم إلاَّ وجدتَ له أمثلة ماثلة حاضرة في مصاحفنا اليوم لم يَدْرُس منها شيءٌ ولم يحرق ولم يُغسل ولم يُمزَّق (10).

٨ / ١٩٧