خصم الأوراق التجارية
الجزء ١ · صفحة ٨٥الشيك بعد فترة معيّنة من الزمن، وعندئذ يصبح أداة ائتمان - أي دين مؤجل الوفاء - قابلة للتداول، أو أن يكون تحصيل الشيك يستغرق مدة طويلة نسبياً لا تتماشى وسرعة المعاملات التجارية كما في بعض البلدان مثل الجزائر، و في كلا هاتين الحالتين يصبح قابلاً للخصم (3).
الرأي الشرعي في عملية الخصم:
إن الجانب الشرعي لعملية الخصم قد أثار جدلاً كبيرًا ولا يزال عند الفقهاء، وهذا رغم وضوح الطريقة التي تتم بها العملية.
لقد أجاز بعض الفقهاء عملية الخصم على أساس أنها حوالة بأجر، والحوالة هي تحويل الدين من ذمة الأصيل إلى ذمة الكفيل المحال عليه على سبيل التوثق به (4). وهي جائزة عند الفقهاء بالإجماع وذلك استنادًا إلى ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" مطل الغني ظلم، وإذا أُتبع أحدكم على مليءٍ فليتبع" (5).
لكن الردّ على هذا الرأي هو أن الحوالة الجائزة يجب ألاَّ تتعارض مع محظور شرعي والذي يتمثّل هنا في عدم التساوي بين الدّين المحال به والدين المحال عليه، فالورقة التجارية تمثّل أداة تحويل لنقودٍ خطية أو كتابية، والمال الذي يتحصل عليه الخاصم هو نقود ورقية أو خطية أيضاً، وبالتالي فالعملية هي بيع نقد آجل بنقد عاجل أقل منه، لذلك فالخصم إذا تمّ بنفس العملة ففيه ربا الفضل والنسيئة، وإذا تمّ بعملة أخرى ففيه ربا النسيئة، ولكنه ربا في كل الأحوال.
وهناك من أجاز الخصم على أساس أنه بيع الدين بالنقد لغير المدين، والذي أجازه المالكية وفي المشهور عند الشافعية. ولكن المتأمل في رأي من أجازوا هذه العملية يجد بأنهم وضعوا لها شروطًا عدة، والذي يهمنا من هذه الشروط هو:
ـ أن يكون الثمن من غير جنس الدّين أو من جنسه مع التساوي حذرًا من الوقوع في الربا (6).
وهذا الشرط لا يتوفر في عملية الخصم كما رأينا.
وهناك من أجاز الخصم على أساس أنه وكالة بأجر، والوكالة هي إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرف جائز له حال حياته … والوكالة شرعًا جائزة سواء أكانت بغير أجر ـ وذلك هو الأغلب ـ أم كانت بأجر (7).
وهذا الرأي أيضًا لا يمكن أن نستسيغه، لأننا إذا اعتبرنا أن الخاصم للورقة التجارية يوكّل البنك في تحصيل هذه الورقة في تاريخ الاستحقاق مقابل أجر وهو الآجيو، فقد رأينا أن هذا الآجيو يتكون من عدة عناصر أهمها: الفائدة والعمولة ومصاريف التحصيل. فإذا اعتبرنا العمولة هي أجرة البنك، فماذا نعتبر الفائدة؟ خاصة وأنّ كلاً منهما محدد بنسبة معينة مع العلم أن هذه الأخيرة هي أكبر بكثير من الأولى. كما أن الوكيل (البنك) يقوم هنا بدفع الدين قبل أن يقوم بتحصيله.