من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٩٥الثلاثينات هو الشيخ عدُّون في التسعينات محبوبًا من الجميع، ومسيطرًا على الأفئدة لدى الكبار والصغار، الشباب والشيَّاب. ونضرب لذلك مثلا: فعندما وقع خلاف حادٌّ في أوائل الخمسينيات بين الشيخ بيُّوض وأحد زملائه وتلامذته حول قضيَّة من قضايا الإصلاح الاجتماعي تتعلَّقان بسفر المرأة وإصلاحات المسجد، وكادت وحدة القرارة تتصدَّع من جرَّائها، كان ضمن المساعي أن تدخَّل الشيخ أبي اليقظان بين الشيخ بيُّوض ومن اختلف معه في تلك القضيَّة، فكتب إليه الشيخ عدُّون في رسالة مؤرَّخة بـ 11 جمادى الأولى 1373 هـ موافق لـ 27 جانفي 1953 قائلا:
« … بلغني كتابُك بعد الأخير للإخوان بعد غيبة طويلة، وانتظار طويل وقد سرَّ الإخوان، وجماعة العزَّابة بسعيكم المبرور في القضيَّة الشائكة، نسأل الله تعالى أن يمدَّكم بروح منه ويصل بكم إلى نتيجة مُرضِيَة يرتضيها الجميع، تحفظ كيان الإصلاح من التصدُّع، وتغسل ما علق في القلوب من أدران، ولا شكَّ أنَّ الله تعالى سيصل بنا إلى هذه الغاية ما دام الإخلاص والنيَّة الحسنة رائد الجميع … ».
2 ـ التواضع:
عادةً ما يكون التواضعُ صفةً مرتبطة بالإخلاص؛ لأنَّ التكبُّر مرضٌ نفسيٌّ يعاني منه مرضى القلوب فقط، ومن ثمَّ فإنَّ ممَّا يلفت النظر في خِلاَلِ الشيخ عدُّون تواضُعُه المذهل أمام أبنائه وتلامذته دون افتعال أو تكلُّف، لأنَّ تصرُّفاته تَنِمُّ عمَّا يحمل في قلبه الأبيض النقيِّ الصافي، ولأنَّه يصدُرُ عن أخلاق إسلاميَّة عاليَّة، وإذا كان ذلك ديدنُه مع تلامذته فأولى أن يكون ذلك تصرُّفه مع أساتذته وزملائه، وهذه صفةٌ نفسيَّة بارزة أخرى نستجليها من رسائله إلى أستاذه الشيخ أبي اليقظان، فقد لاحظتُ في رسائله كيف يوجِّه الخطاب الموشَّح بالخلق الرفيع: لينُ جانبٍ، وصفاءُ طويَّة، واحترامُ مقام، على الرغم من أنَّ تَتَلمُذَ الشيخ عدُّون للشيخ أبي اليقظان يُعدُّ اعتباريًّا، فهو لم يتلقَّ عنه دروسًا في فصلٍ، إلاَّ ما كان بينهما من جلسات حميميَّة أدبيَّة في النادي أو في السهرات الخاصَّة، أو المراسلات، أو ما جمعهما من زمالة طويلة في إطار الصحافة، فهي ـ إن شئنا القول ـ علاقة صداقة وزمالة أكثر منها علاقة تلمذة أو أستاذيَّة، ولكنَّ تواضع الشيخ عدُّون أبى عليه إلاَّ أن يخاطب أستاذه وشيخه بما يليق بمقامه العلمي الرفيع: «أستاذنا الجليل العلاَّمة»، أو «أستاذي العزيز المجاهد الكبير»، وما انصرف عن هاتين الصيغتين قطُّ في كلِّ رسائله، ومن تواضعه أنَّه كان يطلب من أستاذه دومًا أن يصحِّح له (الفصول) التي كان يحرِّرها لجرائده: «النور»، «الأمَّة»، «المغرب» وغيرها، ويفوٍّضه في اختيار عناوينها، ويلحُّ عليه ألاَّ ينشر شيئًا ممَّا يَكتُب دون أن يفحصه فحصًا دقيقًا، على الرغم من أنَّ الشيخ عدُّون كان كثيرًا ما يعرض تلك المقالات على الشيخ بيُّوض قبل إرسالها للنشر.