مجلة الحياة، العدد 9 (مبوبة) مجلة الحياة

من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٩٦

وممَّا يدلُّ على تواضعه تعليقُه على الافتتاحيات التي كان يكتبها في بداية الثلاثينات لجريدة «النور» عندما كان الشيخ أبو اليقظان مشغولا بإعداد المطبعة العربيَّة يقول في رسالة مؤرَّخة بـ 20 رجب 1350 هـ.

« … لقد وُفِّقت كلَّ التوفيق في ذلك النسج البارع، وهكذا جميع ما يجري به قلمكم الذهبي، فلو كان يقوم بواجبه أيضًا في تحرير الافتتاحيات لكان نورًا على نور، وأرى اقتصاركم فيها على هذا القلم الجاف ممَّا يزري من شأن الجريدة … ».

ويقول من رسالة مؤرَّخة بـ: 21 محرَّم 1355 هـ 01 أفريل 1936:

« … بلغني جوابك الكريم يستحثُّني على المواظبة على الكتابة؛ حسنُ ظنٍّ منك بهذا العاجز، حقَّقَ اللهُ ظنَّك، ولا أراك منِّي إلاًّ ما يسرُّك، ويُبهج خاطرك، ولقد ختمتَ ذلك المقال المتواضع بذلك التعليق الخطير الذي ألبس المقال حلَّة قشيبة من الإبداع تركَها تختال تيهًا وعجبا، وهو في الحقيقة لا يستحقُّ شيئا ممَّا خلعتَ عليه، لولا ثقتك الكبيرة التي تقيس الأشياء على حسبها، فتراها كبيرة وهي صغيرة، جليلة وهي حقيرة».

ويقول من رسالة مؤرَّخة بـ: 27 محرَّم 1355: « … أرجو إعادة النظر في الفصل فقد مرَّ عليه الأستاذ مرًّا دون أدنى تأمُّل فيه، فلم يُنقِّح فيه شيئا.

« … إليك فصل اليوم وعَنْوِنهُ بعنوان لائقٍ لا كسابقه … »

3 ـ سموُّ النفس وعزَّتُها:

من أهمِّ الخلال التي طبعت أخلاق المشايخ رواد الحركة الإصلاحية؛ تفانيهم من أجل ما آمنوا به، وتضحيتُهم المستميتة في سبيل رسالتهم الإصلاحيَّة، فقد سخَّروا لها كلَّ ما يملكون من وسائل ماديَّة ومعنويَّة، وبذلوا في سبيلها كلَّ نفس ونفيس، وعلى الرغم من تعدُّد جبهات الخصوم ضدَّهم؛ من حُكم عسكريٍّ غاشم، وتزمُّت فكري متخلِّف، وعامَّة جاهلة مقلِّدة، فإنَّ ذلك كلُّه لم يفت في عضدهم، ولم يثبِّط من عزمهم.

ومن أمثلة التفاني والتضحية النادرة المخلصة شخصية الشيخ عدوُّن الذي ظلَّ ذلك الجندي المجهول المجاهد الصابر طوال عمره الطويل، كان في بعض مراحله جنديًّا في الصفوف الأماميَّة، وأصبح في مراحل أخرى قائدًا مبرزًا يحمل الراية ويختضن الأمانة.

هذه الروح المتوثِّبة إيمانًا وثباتًا هي التي تطالعنا من خلال رسائله إلى أستاذه أبي اليقظان، الذي الذي طالما اعتبره نموذجا فذًّا في الجهاد والمصابرة فكان لا يحلو له إلاَّ أن يُطلق عليه في كلِّ رسائله "أستاذي الجليل المجاهد الكبير". وما من شكِّ في أنَّ الشيخ أبي اليقظان كان يبادل تلميذه الإعجابَ؛ فكان ينوِّه بهذه الخِلاَلِ المتميِّزة في تلميذه الشيخ عدُّون؛ فكان كثير الإشادة بهذه الخلال في شخصيَّة تلميذه وزميله وصديقه الحميم. وهو ما أوضحه وركَّز عليه في ترجمته للشيخ عدُّون في كتابه (مُلحق السِّيَر) حيث يقول عنه: «أوتي حظَّا موفورًا من الخُلُق الكريم؛ من تواضع، وصبر،

٩٦ / ١٩٧