من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٩٧وثقة بالله واتِّكال عليه، وتقوى له، وإيمان كامل به، وعزَّة نفس، وهمَّة عاليه، ولين عريكة، وحسن نيَّة، وصفاء قلب، وصدقٍ وإخلاصٍ، ووَرَعٍ، وزُهدٍ، ومحافظة على سمت السلف الصالح، وحزم، وعزم، واقتدار على إدارة ما يُناط به من المهام بأمانة، وجدٍّ، لا يَعرِفُ كللاً ولا سأمًا، ولا تزعزعا في مبدئه … » (8).
وممَّا يدلُّ على سموِّ نفس الشيخ عدُّون وثباتُه على المبادئ التي آمن بها موقفُه المشرِّف من أستاذه أبي اليقظان، حيث نشر الشيخ مقالاً في جريدة «الثبات» ردًّا على أحد الطاعنين، وأمضاه باسم الشيخ عدُّون (9) دون أن يستأذن منه ذلك، ويبدو أنَّ الشيخ بعد صدور المقال أراد أن يعتذر من الشيخ عدُّون عن تصرُّفِهِ هذا دون أخد رأيه أوَّلا. فما كان من الشيخ عدُّون إلاَّ التأكيد لأستاذه على رضاه الكامل بتصرُّفه الذي شرَّفه به، بل اعتبر ذلك تقديرًا من أستاذه له؛ حيث يقول:
« … يظهرُ لي كأنَّك أردتَ أن تعتذر أو تتنصَّل من إمضاء المقالة باسمي، فهل كان يخطرُ ببالك أن يقع لي في نفسي منه شيء، أم تظنُّ أنَّني أكره شيئًا أو أرهب من أمرٍ ينالني في سبيل أمرٍ يعود علينا بالنفع؟ لقد تلقَّيتُ ذلك بكلُّ فرح، واستبشار، وافتخار، ومرحبًا بمثل هذه المبرَّات التي تجيءُ عفوًا بدون أدنى حركة، وإنَّني مستعدٌّ لأمثالها دائمًا، ولِمَا ينتجُ عنها من بلاء وشقاء …
مَرْحَبًا بِالخَطْبِ يَبْلُونِي إِذَا
كَانَتِ العَلْيَا فِيهِ السَّبَبَا» (10)
وكان من منطلق هذه الأخلاق العالية، والخِلاَل الكريمة يترفَّع عن مخاطبة الجاهلين بأسلوبهم المقذع، ويرى السكوتَ عنهم أحيانًا هو الموقف الحكيم والردُّ المُسكِت، وكان ذلك موقفُه من إحدى الجرائد التي ظهرت في بداية الثلاثينيات، مُنتَهِجَةً منهج السباب والشتم والنيل من الأعراض، وأبدى رأيه المندِّد بأسلوبها وطريقتها حيث يقول:
« … أمَّا الورقة الزرقاء (11) فقد أدخلت علينا كدرًا لا مزيد عليه، فهي فكرةٌ فاسدةٌ، ورأيٌ خطل، وإنَّنا نتوقَّع فسادًا عظيمًا تجرُّه لنا نحن في غنى عنه، فما لنا وللشخصيات ونَبْزِها، وتَتَبُّع العورات وكشْفِهَا للملإ، ففي الانتقاد النزيه الصريح مجالٌ ومُتَّسع … ».
وقد يكون مثل هذا الموقف المتسامي المتسامح منه يخالف به شخصًا يُكنُّ له التقدير والاحترام الدائمين، ويقف معه في صفٍّ واحد لمواجهة الخصوم؛ مثل أستاذه الشيخ بيُّوض، وذلك ما نقرأه له في رسالة إلى الشيخ أبي اليقظان في معرض الحديث عن ردود الشيخ بيُّوض على بعض معارضيه حيث يقول:
« … ولقد ابتُلي الأستاذ بهذه الكلاب العاوية فاضطرَّ ـ عفا الله عنهـ لمجاراة بعضهم، ولو كنتُ مكانه ما أَرَقْتُ في سبيلهم قطرة مداد.
بلاءٌ لَيسَ يُشبهُهُ بلاَءُ
عداوة غيرِ ذٍي حَسَبٍ ودِينِ