18 الرسائل الجامعية 2 بن عمر
الجزء ١٩ · صفحة ٢٥٨محلية لمختلف مناطق القطر، أو بما تنطوي عليه من ميزات فئوية لشتى التنظيمات الفاعلة من أحزاب سياسية ونقابات مهنية وجمعيات فكرية وجماعات عرفية.
ومن الطبيعي أن تختلف المواقف من مختلف المسائل الوطنية والدولية من حيث زاوية الرؤية ومنهج المعالجة، ولكن يفترض أن تتشابه هذه المواقف، إن لم تتطابق، من حيث منطلقها وغايتها اللذان بهما تتحدد مبررات وجود الأمم واستمرارها.
ومن نافلة القول الإشارة إلى أن أي موقف ما، إنما يستمد قيمته وأهميته من الثقل السياسي والوزن الشعبي لصاحب الموقف، أو التشكيل النوعي للمجموعة صاحبة الموقف، وهذا بالمقابل مما يقلل من دلالة المواقف الشاذة ومن أهميتها.
ومن هنا فلا غنى – في تقديري- للدارسين لمواقف الجزائر من مختلف الأحداث – وفي هذه الفترة بالذات – عن تتبع مواقف تلك التنظيمات سابقة الذكر التي تهيكل فئة أو شريحة أو جماعة من الجزائريين، إحصاء ودراسة، ومن ثم تركيبها لإتمام صورة كلية متكاملة تعبر عن موقف جزائري شامل من هذه القضية أو تلك.
وإذا كانت التنظيمات السياسية والنقابية والجمعوية التي نشطت على الساحة الجزائرية قد حظيت باهتمام بعض الباحثين، فدرسوا بعض مواقفها من مجريات الأحداث الوطنية والإقليمية والدولية، فإن الجماعات العرفية التقليدية التي تمثل جوهر الكيان الاجتماعي والتنظيمي للأمة الجزائرية مازالت بحاجة إلى عناية واهتمام، خاصة تلك التي لم تأت عليها يد التفكيك الاستعماري، وظلت صامدة تقاوم كل أشكال الغزو والمسخ والتشويه، ومن هذه جماعة مزاب.
لقد كان خلف اختياري دراسة المواقف الوطنية والقومية والحضارية لجماعة مزاب- من بين الجماعات العرفية النشطة في الجزائر خلال فترة الاحتلال الفرنسي- عدة عوامل بعضها ذاتي وبعضها الآخر موضوعي.
فمن العوامل الذاتية ما يعود إلى ظروف نشأتي الأولى التي اختلط بها حنين الأرض، فأصبحت واقعا معيشا لا انفصام لها عن حياتي الشخصية، مهما طالت في الزمان أو نأت في المكان. ومن هذه العوامل ما يعود إلى طبيعة استجابة الناس الذين يتحكمون في خزائن الأرشيف في الجزائر عموما وفي مزاب خصوصا، حيث لا يرتاحون إلى إظهار ما بحوزتهم من الوثائق إلا لأبنائهم أو لذويهم، فليس من السهل