مجلة الحياة، العدد 13 مجلة الحياة

18 الرسائل الجامعية 2 بن عمر

الجزء ١٩ · صفحة ٢٥٩

بمكان تغيير هذه الأفكار، كما لا يمكن الاستغناء عن هذه الخزائن التي تبطن العديد من الوثائق الهامة.

أما العوامل الموضوعية فيأتي على رأسها ندرة الدراسات التي طرقت هذا الموضوع، فبقي الفراغ فرصة للبعض من ذوي الجرأة والارتجال للخوض في مسائل دقيقة هي بحاجة إلى كثير من التروي والدراسة والتأصيل والتمحيص. بالإضافة إلى ذلك، فإن جماعة مزاب استطاعت في -تقديري-تجسيد مقومات الشخصية الوطنية الجزائرية واقعيا ودونما تنافر أو صراع، وهو ما يرشحها إلى حد ما، لأن تمثل عيّنة للشخصية الجزائرية المتوازنة بأبعادها الثلاثة التي ينصّ عليها الدستور الجزائري.

إن تناول هذا الموضوع على امتداد فترة الاحتلال الفرنسي كلّها، قد لا يمكّننا من إعطائه ما يستحق من العناية والتركيز من جهة، وقد لا يستوفيه كلَّه ما رصدناه له حاليا من المصادر والمراجع من جهة أخرى. لذا فقد انصب اهتمامي على فترة تمتد من سنة 1902م إلى سنة 1962م من تاريخ مزاب المعاصر.

وتمثل هذه الفترة في تقديري، مرحلة ذات حساسية بالغة، انطلقت منذ إقرار سلطة الاحتلال الفرنسي لحكم عسكري استثنائي في ديسمبر 1902 على الجنوب الجزائري، قسمت بموجبه الصحراء إلى أقاليم أربعة، بعد ما تم لها إخضاعها لسلطتها المباشرة، عقب مقاومات شديدة استمرت نصف قرن، وكان إقليم غرداية أحدها؛ كما شهدت هذه الفترة قيام نهضة علمية اجتماعية وسياسية في مزاب، كانت ترمي إلى رفع أستار التقوقع والجهل والركود، تحت قيادة العلامة الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش المتوفى في مارس 1914، مخلفا ما يربو عن 300 مؤلف في شتى العلوم والمعارف، وتواصلت النهضة تحت إمرة تلاميذه من بعده؛ وتنتهي هذه المرحلة بانتهاء حكم الاحتلال الفرنسي في جويلية 1962، وبداية عصر جديد من تاريخ الجزائر.

وأهل مزاب هم جماعة تشكل جزءا من الأمة الجزائرية تتميز بخصوصياتها التاريخية والثقافية والاجتماعية والتنظيمية، ولقد ألقت هذه الخصوصيات بظلالها على مواقفهم عبر تاريخهم الطويل. ومازالت إلى اليوم بعض الأقلام تصفهم بالانطوائية حينا، وبالنرجسية حينا، وبالمصداقية أحيانا أخرى.

وأمام الأوضاع التي كان يشهدها العالم في هذه الفترة بالذات وبخاصة البلاد العربية والإسلامية، والجزائر بصفة أخص، وأمام كل المؤشرات والدلائل التي أثبتت أن مزاب كان يشهد التغيير، وقد خطا خطوات هامة في

٢٥٩ / ٣١٤