مجلة الحياة، العدد 13 مجلة الحياة

23 بوحجام - محمد عاشق السواد

الجزء ٢٤ · صفحة ٣٠٣

المحبّ، فيصوّر الأشياء على خلاف ما يراه جمهور النّاس؟ أيصل الأمر بالسّواد إلى أن يحمل المرءَ على مخالفة سواد النّاس في التّصوّر والتّقدير؟ أيشتطّ مفهوم التّغيير بصاحبنا المولع به، فيدفع بعباد الله إلى تغيير أذواقهم، وتعديل مفهوماتهم، وتبديل مصطلحاتهم لتتبنّى نظرته هو؟ وتحمل فكرته هو؟ فيغدو بذلك رائدًا في التّغيير، وقائدًا في التّطوير، وبائدًا للتّقليد؟

إنّّ النّاس تعوّدوا أن يردّدوا مقولات معيّنة، عُمِّرت طويلاً، شاخت وهرمت، وبقيت معشّشة في أذهان كثير منهم، ففرّخت أفكارًا بالية، عطّلت عجلة التّطوّر، وشوّهت مسيرة الحياة؟ بهذا المنطلق رأى أن يغيّر صاحبنا نظرة النّاس القديمة المريضة المنحرفة إلى السّواد. هذا ما دار في خلدي، وأنا استمع إلى خطرات الرّجل الهائم في تهويماته … قال ما بدا له أن يقول، وتفوّه بما أراد أن يتفوّه؟

قلت في نفسي لماذا لا أساير الرّجل في مغامرته تغييرَ نظرة النّاس إلى السّواد؟ فأسير وأتجوّل معه في مواطن السّواد، وأكتشف معه بواطنه، التي خفيت عنّي، وظهرت له؟ فقمت أعرض بعض هذه المظاهر، فقلت:

إنّ الرّجل رأى في الخال الأسود المنقوط الملصق بوجنة الحسناء البيضاء المشوبة بالحمرة بهاء ورونقًا، فقرّر أنّ جمال الخدّ الأسيل منوط ٌ بالخال الصّغير؟ أليس في هذا روعة؟

نظر إلى حدقة عين الحوراء، فوجدها محاطة بكحل أسود، يتوسّطها سواد مثير، وسط بياض ناصع، فبصر الجمال في هذا الشّكل، فكان له في تبجيل السّواد حجّة؟ قلت في نفسي ربّما يكون مُتَيَّمُنَا صادقّا في هذا الهيام، حين حضر أمامي قول جرير:

إنّ العيونَ التي في طَرْفها حَوَرٌ

قتلتنا، ثمّ لم يُحيينَ قتلانَا

يَصرَعنَ ذا اللُّب حتَّى لا حراك له

وهنَّ أضعفُ خلق الله إنسانَا

قد يكون صاحبنا ممّن صرعه سواد العين الشّديد، المودع في البياض الشّديد، فاشتدّ حاله وهاج وجدانه، فقدّس السّواد، فسجد له واستسلم.

التقطت عيناه منظر شَعَرٍ أسود

٣٠٢ / ٣١٤