23 بوحجام - محمد عاشق السواد
الجزء ٢٤ · صفحة ٣٠٤يتدلّّى على جانبي غيداء ذات تغنّج ودلال، فتذكّر وصف الشّعراء لهذا المنظر المحرّك للعواطف، من مثل قول مسلم بن الوليد:
أَجدَّكِ ما تدرينَ أنْ ربَّ ليلةٍ
كأنّ دُجاها من قرونِك تنشرُ
وقول الشّيخ إبراهيم أبي اليقظان:
لها فاحم فاق الغراب ومبسم
يجود بالرّيق أحلى من الشّهد
وقول شاعر آخر:
أسدلن من فوق النّهود ذوائبا
فَتَركن حبّات القلوب ذوائبا
فسجّل في سواد الشّعَرِ جمالا ورونقًا، فتساءل منبّهًا الغافل: ألا يكون في هذا السّواد متعة للخاطر، وبهجة للنّاظر، هي منحة من القادر؟ ألا يكون بِجانبِي أكثر من عاذر؟؟
كأنّي بأخينا يخاطب لائمه: اعلم أيّها الرّجل البائس إنّ السّواد يكشف حقيقة الجمال والبهاء والرّواء. انظر إلى الشّعراء فإنّهم أبرزوا الملاحة بقرنها بالسّواد، فكان فضل السّواد أن أظهر هذا الجمال. قال الشّاعر:
قل للمليحة في الخمار الأسود
ماذا فعلت بناسك متعبِّد
فالجمال كان أخّاذًا، حين وضع في كساء أسود، فاكتسى جاذبية وإغراءً. فللأستاذ الحقّ في الدّعوة إلى الاهتمام بالسّواد. ألا يمكن أن نقول عن محمّدنا:
قل للوديعة في الخمار الأسود
ماذا صنعت بعابد ومحمّد
بل إنّ الضّدّ يُظهِر روعة ضدّه حين يوضع بجانبه. ألم يقل الشّاعر:
الوجه مثل الصّبح مبيضّ
والشّعر مثل اللّيل مسودّ
ضدّان، لمّا استجمعا حسُنا
والحسن يظهرُ حسنه الضّدّ
يتعاقب على مسمعه كلام وأصوات، وصيحات وهمسات … مفادها: أنت في سويداء قلبي. يردّدها النّاس حين يريدون التّعبير عن حبّهم الشّديد لشخص، فينتقرون سمة السّواد ليعبّروا عن هذا الودّ وهذا الولاء. أليس في هذا إشارة دقيقة وقويّة إلى دور السّواد في التّعبير الصّادق عن المكنون؟ وبين السّواد والسّويداء قاسم مشترك هو الجذر