23 بوحجام - محمد عاشق السواد
الجزء ٢٤ · صفحة ٣٠٩قضى وقتًا قصيرًا في ربوع مدينة الخرطوم عاصمة اللّون الأسود، فأعجب بأهلها بأخلاقهم. لقد وجد فيهم ما يدلّ على كرم المحتد، وعزّة النّفس، وصفاء القلب، وحسن المعروف، وبساطة الحياة .. وقرأ فيهم عناصر الثّبات والأصالة والاحترام والوعي والتّقدير والوفاء …
لمّا قاربت بين مشاعر الدّكتور وبدايات احتكاكه بالسّواد في هذه الرّحلة المباركة، وربطت بينهما وبين ما يتمتّع به من حسّ مرهف نحو الخير والفضائل، فهمت مراميه من هذه المقاربات وهذه التّقديرات وهذه الخواطر وهذه المشاعر. فقلت: إنّ الدّكتور مصيب كلّ الإصابة، ومحقّ كل الحقّ فيما ذهب إليه، وفيما تبنّاه. وعلمت أنّه من خلال هذه النّظرة أراد أن يبلّغ رسالة إلى بني البشر، مفادها: إنّ اللّون ليس له دخل في تشكيل شخصية الإنسان، والمظهر لا ينفع في تحديد فضل الشّخص، إنّما سلامة المخبر وعلوّ همّة المرء، وعزةّ نفسه هي التي ترفع قدره، وتعلي شأنه، بل هي التي تحدّد شخصيته، وتحقّق إنسانيته. فجمال المرء أخلاق تسود، وقيم تزيد. فأهل السّودان أكّدوا هذه القاعدة، فهنيئًا لهم، والدّكتور محمد وضّح هذه الحقيقة. فشكرًا له.
في الحقيقة لم يكن إعجابي بصديقي الدّكتور محمد قاصرًا على استلهام المعاني والفضائل، التي تضمّنها السّواد، وليس تقديري له مقتصرًا على خروجه على النّاس بغير ما ألفوه، في الدّوق والاحتفاء والتّقدير، حين أعطى للسّواد كلّ هذه القيمة وهذا الاهتمام … تجاوز تقديري له إلى هذا التّطوّر في الكتابة، فقد انتقل من كاتب صانع الأفكار، إلى فنّان يبدع في صناعة الأدب، فقد تفنّن بخياله في تقديم قطع من النّثر الرّفيع، ونسج ألوان من الفنّ البديع، قوامه التّعبير الرّائق، والتّصوير الرّائع، متنهما ألفاظ منتقاة، وأساليب مجتباة. يتخلّل كلّ ذلك الدّعابة والظّرف، والتّصريح والتّلميح … فكان بذلك عالمًا أديبًا، ومفكّرًا أريبًا، وكان في هذا المسلك حاذقًا لبيبًا.