23 بوحجام - محمد عاشق السواد
الجزء ٢٤ · صفحة ٣٠٨يسجّل المعرفة … أليس في هذا بركة ومنفعة؟؟
بعد هذه الجولة في عالم السّواد، قلت في نفسي هل هذه المظاهر تشفع للدّكتور محمّد أن يتّخذ السّواد معشوقه، ويثني عليه؟ ويهديه قلبه وعقله وقلمه؟ أيحلّ له أن يصرف زمنًا كبيرًا يهتمّ فيه بالسّواد؟ وهو الهمام الذي قضى زمنًا طويلا في البحث في الزّمن، وأعدّ دراسات ينقّب عن الحلول النّاجعة لإقناع النّاس بحسن استغلال الزّمن في حياتهم، وقدّم لهم خدمات جليلة في تأصيل البرمجة الزّمنية بما جاء في القرآن والسّنّة، وما سجّله الفكر الغربي؟؟ أليست هناك موضوعات أخرى أولى من موضوع السّواد يمكن ركوب صهواتها لتوعية النّاس باستلهامها في تنظيم حياتهم، وتهذيب نفوسهم، ورفع أقدارهم، وتقدير الأفضل في الحياة؟؟
لكنّني خلوت إلى نفسي، وأوقفت عجلة الزّمن، ورجعت قليلاّ إلى الوراء، وناديت عقلي، وهمست إلى نفسي، فقلت ما دامت خواطر الدّكتور جاءته متبخترة ونحن ننزل من طائرة تابعة للخطوط الكينية، ومادامت مشاعره تبدّت له ونحن في مدينة الخرطوم. عسى يكون لهذا الجوّ، وهذه المشاهد علاقة ودور بما ذهب فيه بعيدًا في تفكيره وتعاطفه. فالطّائرة تملكها شركة من جنس أصحاب اللّون الأسود، ومضيّفوها ومضيّفاتها ليسوا من غير دائرة اللّون الأسود، على خلاف كثير من شركات الطّيران العربية، التي تضحّي بأصالتها وكرامتها و همّتها، فتوظّف سائقي طائراتها، والعاملين فيها في المكاتب وداخل الطّائرات من غير أهلها، وتستأجر اللّون الأبيض لتسيير شؤونها: لأنّ ذلك حسب رأيها وحسن تدبيرها هو من أسرار المهنة، وأسباب النّجاح في الحياة.
إذن كان أصحاب اللّون الأسود أكثر مروءة وكياسة وشهامة، حين تمسّكوا بلونهم وقدّموه على كلّ لون آخر في تسيير شؤونهم. زيادة على ذلك وجد الصّاحب الولهان أخلاقّا بيضاء تخرج من البشرة السّوداء. فقد كان الاستقبال في المستوى، والخدمات في أعلى سلّم اللّباقة، فهنيئًا للّون الأسود، وبورك فيه.