مجلة الحياة، العدد 13 مجلة الحياة

05 بوحجام - المضمون الإسلامي في الشعر الجزائري

الجزء ٦ · صفحة ٥٧

إخضاعهم وإضعافهم، بخاصّة إنّ الشّعب الجزائري الذي يخاطبه الشّاعر سنة 1934م(1) يعيش محنًا متتالية؛ بغية تليينه، وتحويله عن وجهنه الحقيقية وأصالته، والتّمسّك بدينه"(2).

العقيدة تصنع من المسلم قوّة تأتي على كلّ عتوّ وفساد، وعلى كلّ حاجز وسدّ يحول بينه والقيام بمطالب العقيدة، وتنشئ منه راسيات لا تُزعزع، وبنيانًا لا يُزحزح، وتكوّن منه حصونًا تحمي الأصالة، وتوجد منه قنابل تدكّ معاقل الأعداء، وتنقض بنايات الضّلالات والغوايات. هذه المعاني ضمّنها مصطفى الغماري شعره، فسجّل بذلك أحد المضامين التي حواها الشّعر الجزائري الملتزم والمنطلق من التّصوّر الإسلامي:

وفي دمي شجر التّوحيد، يزرعني

جيلاً، يدكّ القيود والعطبَا

جيل العقيدة، لا تُشرى ضمائره

وليس عن قمّة السّمحاء منقلبَا

تشتاق للوحدة الخضراء كلمته

وتعشق الخالدين: الشّمس والعربَا(3)

وقال:

كم مهجةٍ ضمّها التّوحيد فازدهرت

وظامئ من سنا القرآن كم شربَا(4)

من بديع تعبير الشّاعر أن يختار كلمات موحية، وأن يقدّم صياغة مصوّرة، بلجوئه إلى المجاز، يستعين به لينقل الحقيقة، فيقنع المتلقّي، ويؤثّر على وجدانه، فيتجاوب مع الشّاعر. عمد إلى كلمات الزّرع والإزهار والاشتياق والعشق والخضراء والظّمأ

(1) - القصيدة التي منها هذه الأبيات، هي بعنوان: " هيهات يخزى المسلمون"، نشرت في مجلّة الشّهاب، الجزائر، ج3، مج 10، سنة 1934م. وهي فترة حاسمة للشّعب الجزائري، فقد تمّ فيها بناء المدارس الحرّة لتعليم الجماهير، وتشييد المساجد، وتأسيس النّوادي؛ لتحصين الشّعب الجزائري من الحملات المسعورة ضدّ الأصالة، والدّعوات المتكرّرة إلى الاندماج مع الشّعب الفرنسي، والتّجّنس بالجنسية الفرنسية … وشهدت الفترة ألوانًا وأشكالاً عديدة وقاسية من الظّلم والقهر ومنع الحقوق … مورست على الشّعب الجزائري.

(2) - أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 48.

(3) - مصطفى محمد الغماري، قصائد مجاهدة (ديوان شعر)، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1982م، ص: 76، 77.

(4) - المصدر السّابق، ص: 122.

٥٧ / ٣١٤