05 بوحجام - المضمون الإسلامي في الشعر الجزائري
الجزء ٦ · صفحة ٦٦موضع آخر، وفي ظروف أخرى، وفي بقعة أخرى، فمن السّجن، يرسل شعره ليثبت أنّ العروبة في الجزائر باقية، وأنّها بروح الإسلام ممتزجة. قالها وهو حرٌّ طليق، ونادى بها وهو مقيّد قابع في السّجن … ممّا يرسّخ في الأذهان أنّ اختلاف الظّروف لا يغيّر في القضية شيئًا؛ لأنّ الأمر يتعلّق بمعتقد راسخ في القلوب، وفكرة ثابتة في الأذهان، وفطرة لا يمكن تجاوزها. قال عن وطنه الجزائر سنة 1956م:
أحبّها مثل جبّ الله، أعبدها
آمنت بالله، لا كفرٌ ولا نزق
أرض الجزائر في إفريقيا قدسٌ
رحابها من رحاب الخلد، إن صدقوا
قلب العروبة، لم يعصف بنخوتها
عسفٌ، ولا نال من إيمانها رهقُ(1)
إنّ كلّ ما صنعه المحتلّ الغاصب لم ينل من عروبة الجزائر، بل زادها ذلك تحدّيًا وثباتًا، فبقيت صامدة، محافظة على أصالتها ونخوتها وهويّتها؛ لأنّها تدثّرت واحتمت بالإيمان والعروبة، فهي أرض مقدّسة، استمدّت رحابها من رحاب حنّة الخلد. فلن ينال منها، ولن يعصف بها.
استغلّ الشّاعر مناسبة إقامة مدرسة الإخاء بمدينة بسكرة (تقع في الشّرق الجزائري) احتفالا، فأشاد بنشاطها وعملها الكبير في التّربية والتّعليم … قدّم ذلك مازجًا بين العروبة والإسلام، ليبيّن للنّاشئة بخاصّة أنّ التّنشئة يجب أن تكون بهذا الأسلوب، وبهذا المفهوم. كما وجّه إرشادًا إلى القائمين على عمليّة التّربية والإعداد، أن لا يخرجوا عن هذا الإطار في عملهم. وهو رسالة إلى كلّ من يتنكّب الجادّة، فيفصل بين العروبة والإسلام. هذه مسؤولية الأديب المسلم، وهو ما يدفع إليه التّصوّر الإسلامي. قال سنة 1931م، تحت عنوان: " قف للعروبة حيّها ببسكرة":
كذا يطيب الجنَى، ولتشدُ ألحانُ
وليصغِ آثارنا في التّرب قحطان
بنخوة في عروقٍ، ملؤها شَممٌ
وعزّةٍ في دمٍ، يذكيه إيمانُ
وأنفسٍ عربيّاتٍ مقدّسة
دانت لها قبلُ أعراش وتيجان
قوم أعالون، أمجاد جحاجحة
كانوا هم الرّوحَ، والإسلام جُثمانُ
قوم هم العرب الأمجاد، لا عجبٌ
أن ندّعي صَيَدًا، والدّمع هتّانُ
قف للعروبة، حيّها ببسكرة
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 26.